أبطال سبقونا على الطريق






زينب الغزالى

وهكذا ففي يوم 20 أغسطس لعام 1964م اقتحمت المخابرات المصرية منزل زينب الغزالي وعاثت به فساداً ما بين إتلاف وتكسير وتمزيق وحين حاولت أن تخاطبهم بلغة القانون الذي يحتكمون إليه فسألتهم عن إذن التفتيش صرخوا في وجهها يتقهقهون إذن تفتيش في حكم عبد الناصر!! ثم ألقي القبض عليها وسيقت إلى السجن الحربي..
لتبدأ رحلة التعذيب من قبل طغاة أخذتهم العزة بالإثم .. لا يتورعون عن فعل أي شيء يندى له جبين الإنسانية..
بدءاً من التجريح بأقذع الألفاظ التي ترفضها كل الأعراف الدولية انتقالاً إلى الجلد بالسياط ونهش الكلاب المسعورة.. أملاً منهم في إجبارها على الإقرار بأن هناك خطة تهدف لقتل جمال عبدالناصر وضعها جماعة الإخوان المسلمون ..
ولما فشلت قوى البغي والضلال في إجبار زينب الغزالي على قول الباطل لخدمة مآربهم أمعنت في تعذيبها ظناً منهم أن النيل من الأبدان يزهق الأرواح .. فصمدت زينب أيما صمود.. وتحملت مالا يحتمله عتاة الرجال..
تقول زينب الغزالي في كتابها أيام من حياتي : ( فتح باب لحجرة مظلمة فدخلت وقلت :
باسم الله السلام عليكم.. وأغلق الباب وأضيئت الكهرباء قوية !! إنها للتعذيب ! الحجرة مليئة بالكلاب ! لا أدري كم !! أغمضت عيني ووضعت يدي على صدري من شدة الفزع .. وسمعت باب الحجرة يغلق بالسلاسل والأقفال .. وتعلقت الكلاب بكل جسمي..
رأسي ويدي وصدري وظهري.. كل موضع في جسمي.. أحسست أن أنياب الكلاب تغوص فيه .. فتحت عيني من شدة الفزع وبسرعة أغمضتهما لهول ما أرى ..
وضعت يدي تحت إبطي وأخذت أتلو أسماء الله الحسنى مبتدئة بـ "يا الله يا الله".. وأخذت أنتقل من اسم إلى اسم.. والكلاب تتسلق جسدي كله ... أحس بأنيابها في فروة رأسي ..
في كتفي.. في ظهري.. أحسها في صدري في كل جسدي .. أخذت أنادي ربي هاتفة: "اللهم اشغلني بك عمن سواك..
اشغلني بك أنت يا إلهي يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد.. خذني من عالم الصورة.. اشغلني عن هذه الأغيار كلها.. اشغلني بك.. أوقفني في حضرتك.. اصبغني بسكنتك.. ألبسني أردية محبتك.. ارزقني الشهادة فيك .. والحب فيك والرضا بك والمودة لك وثبت الأقدام يا الله ..
أقدام الموحدين " كل هذا كنت أقوله في سري .. والكلاب نابشة أنيابها في جسدي.. مرت ساعات ثم فتح الباب وأخرجت من الحجرة.. كنت أتصور أن ثيابي البيضاء مغموسة بالدماء.. ولكن ويا لدهشتي الثياب.. كأن لم يكن بها شيء ..
كأن ناب واحد لم ينشب في جسدي.. سبحانك يا الله أنت معي.. يا الله هل أستحق فضلك وكرمك ؟.. كل هذا كنت أقوله في سري فالشيطان ممسك بذراعي يسألني : كيف لم تمزقك الكلاب ؟).
كان هذا هو بداية العذاب في رحلة السجن التي عاشتها زينب الغزالي.. فقد انهالت عليها سياط الشر اللعين بدءاً من خمسين جلدة وصولا إلى خمسمائة جلدة .. تنصب على جسد امرأة قالت :
ربي الله .. هؤلاء هم فرسان دعاة التحرر والأفواه المعطرة بكلمات الاشتراكية.. لكن زينب ازدادت مع العذاب تصميماً ومع القهر ثباتاً ..
فازداد الطغاة شراسة وفجوراً لتساق زينب عند أشرهم بطشاً وأشرسهم فظاظة.. إنه شمس بدران..
وما أدراكم من هو شمس بدران !!! وحش بشري قتل ضميره فضاعت إنسانيته على أرصفة الحكم الناصري.. فأمر بأن تعلق زينب على عمود خشبي له قاعدة خشبية وتربط يدها بقدمها لتجلد خمسمائة جلدة..
وتقذف بأشنع الألفاظ .. لكن زينب الغزالي وهبت نفسها لله ودينه ، فهانت الدنيا في قلبها وثبتت على الحق تحتمل ما لا يطيقه عشرة رجال.. متمثلة بقول الشاعر الصحابى :
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي
ليواجهها هذا الوحش البشري بعد كل هذه السياط بجبروت من ضاعت آخرته فاستوحشت دنياه : أين هو ربك لينقذك ؟ فترد عليه بكل ثبات قائلة : (الله سبحانه الفعال ذو القوة المتين)..
أمعنت قوى الباطل في تعذيبها وازداد الطغيان شراسة تفوق شراسة الوحوش الحيوانية .. فالكلاب كما رأتها زينب الغزالي كانت أكثر إنسانية من وحوش البشر ..
والفئران التي أطلقوها في زنزانتها خجلت من دعاء المؤمن ففرت تبحث عن مكان آخر .. وأصدر جمال عبدالناصر قراراً بتعذيب زينب الغزالي فوق تعذيب الرجال !!!
فخارت قوى الجسد الضعيف.. وانهارت قدرته على احتمال ما لا يطيقه الرجال.. فكيف بإماء الله !!! وأن الجسد أشرف على الموت فكانوا كلما تهاوى جسدها وشعروا بقرب موتها أدخلوها مستشفى السجن الحربي ليتم إنقاذها..
ليس رحمة منهم بل لينهالوا عليها بمزيد من العذاب.. ولكن الروح تنامت مع كل أنواع السياط وأشكال التعذيب.. وتسامت خفاقة تعلو بهمة المؤمن لتصبح نظرته مرعبة لأعداء الله.. وابتسامته الساخرة خنجراً يقتل طغاة الظلم وأرباب الضلالة..
فأضفت روحها العالية على جسدها المتهاوي قوة لا يمكن لمن لم يتذوق حلاوة الإيمان بالله أن يراها حتى يئس الظلم من مقارعة الحق ...
وانحنت السياط ذليلة أمام صبر المؤمنات.. فرغبوا في الخلاص منها باستصدار حكم عليها عبر محاكم طغيانهم بالسجن المؤبد مدى الحياة ..
لتبدأ معها رحلة جديدة من المعاناة في حياة زينب الغزالي تستمر إلى أن حلت نكسة عام 1967م وانتكست الأمة تحني جبين الهوان بضياع القدس.. وهوى المسجد الأقصي أسيراً تحت وطأة الطوفان الصهيوني المتبجح
فهل ضاعت القدس يوم النكسة أم أن ضياع القدس كانت نهاية لمسرحية الطغيان والظلم التي كبلت حياة الأمة الإسلامية..
فكان سقوط القدس أمراً متوقعاً لكل من شاهد الإسلام قابعاً في مهاوي السجون وأيدي الظلم تخط توقيعها لإعدام أشهر علماء الأمة في القرن العشرين الشهيد سيد قطب.. ثم يتشدقون في خطاباتهم الرعناء بمحاربة الصهيونية والإمبريالية..


وفي عام 1971م مات جمال عبد الناصر وزينب الغزالي قابعة في السجن تنتظر فرج الله و جاء القرار بالإفراج عنها بعد سبعة أعوام من الأسر .. حاولوا تقييدها بشرط عدم الدعوة إلى الله لكنها رفضت فاضطروا للإفراج عنها دون شروط.



الشهيد عبد القادر عودة

أرأيت الرجل من آل فرعون يوم التقى القوم على الفتك بموسى، وتلمُّس كلِّ طريقة إلى رضا فرعون بالوشاية بموسى وذكْره بكل سوء ومفسدة؟! فيقف فريدًا وحيدًا وسط الكفر والفساد، ومن خلال الظلم والظلام لا يبالي ولا ينافق، بل يقذف بالحق من أعماقه، ناصعًا كالنور، قويًّا كجيوش يحركها الإيمان: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (غافر: 28)، ويمضي إلى موسى محذِّرًا ناصحًا: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوك﴾ (القصص: 20).
تُرى كم من الآلاف أو مئات الآلاف ممن انحنوا لفرعون، وسجدوا، وتقربوا إليه، وساروا في ركبه، وأعلنوا الإيمان به إلهًا من دون الرحمن، والتمسوا الرزق والخير والقصور ومتاع الدنيا في رضاه؛ ظنًا منهم أنه المانح والمانع والمُحْيي والمميت؟!
تُرى كم من هؤلاء مضى كما مضى فرعون، وراحوا في طي النسيان، وإن حلت ذكراهم يومًا في الأذهان انهالت عليهم اللعنات، ولحق بهم كل خزي وعار؟!ويبقى الرجل المؤمن ذكرى على الدرب الطويل، تفوح مجدًا وفخارًا، وقدوةً ومثلاً، وعطرًا ونورًا!
و"عبد القادر عودة" من هذا الصنف، من الرجال الذين ساروا، ومازالوا يسيرون على الطريق، وقف على حبل المشنقة، فازداد على الحق إصرارًا، ورأى الموت بعينيه، فأسرع لِلُقْياه، ولم تكن جريمته إلا أنه قال كما قال من سبقوه على الطريق: "ربي الله"! ولم تكن فعلته إلا أنه أنكر على الظالم ظلمه للناس، وأبت عليه نفسه أن يسكت على صنوف الذل والهوان للأُمّة، فمضى شهيدًا بعد أن سطر على صفحات التاريخ سطورًا لا تبلى، ولا تنمحي، وحفر في القلوب والأذهان ذكرى على مر الأيام تنمو وتزدهر!
لقد كان الشهيد عبد القادر عودة شاهدا فذّا على مرحلته . و إن شهادته على عمره تنبع أساسا من انه كان الرد الصحيح والموضوعي والمباشر على فرية روّج لها الاستعمار وتلاميذه طويلا .
تلك الفرية تقول ׃
" إن التشريع الأجنبي قد دخل بلادنا بسبب جمود الشريعة الإسلامية وعدم قدرتها على الاستجابة لمعطيات العصر وعدم وجود علماء مسلمين قادرين على تقنينها "
ولقد أدرك الشهيد أن هذه الفرية تشكل أبعاد مؤامرة بحق شعوبنا فالاستعمار حينما أراد أن يشل قدرتنا على مواجهته أدرك انه لا بد من إفقادنا تميزنا في الهوية والانتماء ولا بد من إفساد وجباتنا وأذواقنا وهكذا خطط الاستعمار ونفّذ تلاميذه المخطط الواسع لتغريب ثقافتنا وتغريب أساليبنا في الحكمة والسياسة والاقتصاد والقانون.
وبوعي الشهداء قدم الشهيد عبد القادر عودة اطروحاته الفذّة في إطار تقنين نظم الحكم الإسلامية اقتصاديا وسياسيا وقانونيا ׃ الإسلام وأوضاعنا السياسية والمال والحكم في الإسلام ثم التشريع الجنائي الإسلامي ... وهذا الأخير يعد من اعظم الأبحاث التي صدرت في القرن الأخير ولا يزال يدرس في جامعات العالم.
وفي عهد اللواء "محمد نجيب" عُين عضوًا في لجنة وضع الدستور المصري، وكان له فيها مواقف لامعة في الدفاع عن الحريات، ومحاولة إقامة الدستور على أسس واضحة من أصول الإسلام ، وتعاليم القرآن...
وفي عام 1953م انتدبته الحكومة الليبية لوضع الدستور الليبي؛ ثقةً منها بما له من واسع المعرفة، وصدق الفهم لرسالة الإسلام.
اشتهر عبد القادر عودة كعالم وفقيه ورجل قانون محنك وخطيب مفوه حصل على قدر كبير من المعرفة بالقوانين الجنائية في مصر، التي درسها طالبا ومارس تطبيقها قاضيا ومحاميا، وهو أحد أعلام الفقه الإسلامي المعاصرين، وقد دفعه حبه للشريعة الإسلامية إلى دراسة علوم الفقه الإسلامي، وأكسبته خبرته الواسعة في سلك القضاء بالمحاكم المصرية قناعة وإيمانا بضرورة إحياء علوم الشريعة والمبادرة إلى تطبيقها.
فبدأ في كتابة مجموعة من الكتب الموسوعية التي لا تستغني عنها أي مكتبة قانونية مثل "الإسلام وأوضاعنا القانونية"، و"الإسلام وأوضاعنا السياسية"، و"الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه"، و"المال والحكم في الإسلام"، وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات التي تكررت طباعتها مرات ومرات وترجمت إلى كثير من اللغات؛
بل إن العديد من طلبة الدراسات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي قدموا أطروحاتهم للماجستير والدكتوراه عن مؤلفات عبد القادر عودة باعتباره الرائد في هذا الميدان، وقلما تخلو رسالة جامعية أو كتاب مؤلف في الفقه الجنائي من الإحالة إلى أحد كتبه وخصوصا كتابه القيم "التشريع الجنائي في الإسلام" الذي اكتسب شهرة واسعة، ويعد بحق الكتاب الأول في التاريخ الفقهي الذي يتناول أحكام الفقه الجنائي الإسلامي بترتيبها الذي تعرفه كتب القانون الحديثة.
وقد اكتسب الكتاب أهمية خاصة لأن الجزء الأول منه صدر قبيل استشهاده، وصدر الجزء الثاني بعد استشهاده بقليل، ولم تمض خمس عشرة سنة حتى كان الكتاب ملهما رئيسا للمشرعين والباحثين في عدد من الدول العربية والإسلامية، ثم ترجم إلى الفارسية والأردية والإنجليزية، ولا تكاد مكتبة تخلو منه.
واجب ومسئولية




بدأ عبد القادر عودة في إعداد كتابه "التشريع الجنائي في الإسلام" عام 1364هـ 1945م، وقد دفعه إلى ذلك أنه بعد تعمقه في دراسة الفقه راعه أنه وجد به المبادئ الأساسية وكذلك الأحكام التي درسها في القانون المصري ولكنها معروضة بصورة مختلفة عن كتب القوانين العصرية فشرع في إعداد كتابه هذا؛
وفي هذا يقول:
"لقد شعرت بأن علي واجبا عاجل الأداء نحو الشريعة ونحو زملائي من رجال القانون، ونحو كل من درسوا دراسة مدنية، وهذا الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية، في لغة يفهمونها، وبطريقة يألفونها، وأن أصحح لرجال القانون معلوماتهم عن الشريعة، وأن أنشر على الناس الحقائق التي حجبها الجهل عنا زمنا طويلا".
لم تقتصر جهود عبد القادر عودة على مجال الفقه الجنائي، بل إنه تصدى لفكرة إعادة إحياء الشريعة الإسلامية وتصحيح ما يدعيه الجهال على الشريعة من دعاوى غريبة، فكان أول كتاب له "الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه" الذي جمع فيه من أحكام الشريعة ما لا غنى عنه لمسلم مثقف، راجيا أن تصحح هذه الرسالة بعض المفاهيم المزروعة في أذهان المتعلمين علما مدنيا، وأن يكون فيها ما يحفز علماء الإسلام على أن يغيروا طريقهم، وينهجوا نهجا جديدا في خدمة الإسلام الحنيف في واقعنا الأليم.
ويستكمل القاضي الشهيد جهوده لإحياء الشريعة في كتابه "الإسلام وأوضاعنا السياسية" في محاولة منه لعرض نظرية الإسلام في الحكم بأسلوب عصري، موضحا أن أسلوب الحكم في الإسلام هو خير ما عرفه العالم، وأن كل نظريات الشورى الوضعية ليست شيئا يذكر بجانب نظرية الإسلام.
وفي كتابه " المال والحكم في الإسلام" يرى أن الحكم في الإسلام يقوم على أساس القرآن (المصدر الأساسي للتشريع)، ومبدأ الشورى، واحترام إرادة الأمة، ومن هنا فهو يرى أن الخليفة ينوب عن الجماعة ولا ينوب عن الله، وهي نفس الأفكار التي أكد عليها في كتابه "الإسلام وأوضاعنا القانونية"؛
حيث يقول:
"سلطة المراقبة والتقويم سلطة مقررة للأمة، إذ يجب عليها مراقبة الحكام وتقويمهم بما أوجب عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها مصدر سلطان الحكام باعتبارهم نوابا عنها فهم مسئولون أمامها".
وفي محاولة لإحياء تراث الشهيد عبد القادر عودة قام الدكتور توفيق الشاوي أستاذ القانون الجنائي بإعادة إصدار كتاب الفقه الجنائي الإسلامي للقاضي الشهيد في ثوب جديد؛ ليقدم منه موسوعة شاملة بهدف إبراز ما تضمنه بحث الشهيد من معالم التجديد وإضافة آراء أخرى ودراسات جديدة ليتحول إلى موسوعة عصرية في الفقه الجنائي.
إن الأستاذ الكبير "عبد القادر عودة" عَلَم من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة، وداعية من دعاة الإسلام في العصر الحديث
والأستاذ "عبد القادر عودة" عالم متمكن، وقاضٍ متمرس، وقانوني ضليع، صدرت له بالإضافة إلى كتابه القيم التشريع الجنائي في الإسلام) كتب أخرى،
منها:
(الإسلام وأوضاعنا القانونية)
و(الإسلام وأوضاعنا السياسية)
و(الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه)
و(المال والحكم في الإسلام)
وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات، التي تكررت طباعتها مرات ومرات، وتُرجمت إلى كثير من اللغات، بل إن العديد من طلبة الدراسات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي قدموا أطروحاتهم للماجستير والدكتوراه عن مؤلفات القاضي الشهيد "عبد القادر عودة" باعتباره الرائد في هذا الميدان.
يقول الأستاذ "عودة" في كتابه (التشريع الجنائي في الإسلام) مقارنًا بالقانون الوضعي ما نصه:
"حين أقارن بين القانون في عصرنا الحاضر وبين الشريعة، إنما أقارن بين قانون متغير متطور، يسير حثيثًا نحو الكمال حتى يكاد يبلغه كما يقال، وبين الشريعة التي نزلت منذ ثلاثة عشر قرنًا ولم تتغير ولم تتبدل فيما مضى، ولن تتغير أو تتبدل في المستقبل، شريعة تأبى طبيعتها التغيير والتبديل؛ لأنها من عند الله، ولا تبديل لكلمات الله، ولأنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، فليس ما يخلقه في حاجة إلى إتقان من بعد خلقه".
نحن إذن حين نقارن إنما نقارن بين أحدث الآراء والنظريات في القانون، وبين أقدمها في الشريعة، أو نحن نقارن بين الحديث القابل للتغيير والتبديل، وبين القديم المستعصي على التغيير والتبديل، وسنرى ونلمس من هذه المقارنة أن القديم الثابت خير من الحديث المتغير، وأن الشريعة على قدمها أجل من أن تقارن بالقوانين الوضعية الحديثة، وأن القوانين الوضعية بالرغم مما انطوت عليه من الآراء وما استُحدث لها من المبادئ والنظريات لا تزال في مستوى أدنى من مستوى الشريعة.
ويقول الشهيد عبدالقادر عودة
لقد شعرت بأن علىَّ واجبًا عاجل الأداء نحو الشريعة ونحو زملائي من رجال القانون، ونحو كل من درسوا دراسةً مدنيةً، وهذا الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية، في لغة يفهمونها، وبطريقة يألفونها، وأن أصحح لرجال القانون معلوماتهم عن الشريعة، وأن أنشر على الناس الحقائق التي حجبها الجهل عنا زمنًا طويلاً، إن القانون من صنع البشر، أمَّا الشريعة فمن عند الله، وكل من الشريعة والقانون، يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع البشر؛
ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثم كان القانون عرضةً للتغيير والتبديل، أو ما نسميه "التطور"، كلما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة، أو وُجدت حالات لم تكن منتظرةً، فالقانون ناقص دائمًا، ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن أن يُوصف بالكمال، ولا يستطيع أن يُحيط بما سيكون، وإن استطاع الإلمام بما كان.
أما الشريعة فصانعها هو الله، وتتمثل فيها قدرة الخالق، وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وبما هو كائن، ومن ثم صاغها العليم الخبير، بحيث تحيط بكل شيء وأمر جل شأنه ألا تغيير ولا تبديل حيث قال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل مهما تغيرت الأوطان والأزمان، وتطور الإنسان".
لقد وقف "عبد القادر عودة" على حبل المشنقة فازداد على الحق إصرارًا، ورأى الموت بعينيه فأسرع للقياه، ولم تكن جريمته إلا أنه قال كما قال من سبقوه على الطريق: "ربي الله"، ولم تكن فعلته إلا أنه أنكر على الظالم ظلمه للناس، وأبت عليه نفسه أن يسكت على صنوف الذل والهوان للأمة، فمضى شهيدًا، بعد أن سطَّر على صفحات التاريخ سطورًا لا تنمحي، وحفر في القلوب والأذهان ذكرى على مر الأيام تنمو وتزدهر.
ولـ"عبد القادرعودة" أعمال القضاء، فكان المنارة الزاهية بين القضاة؛ لأنه أبى إلا أن يطبق قانون السماء ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ورفض أن يقيد بقوانين الأرض، التي عجزت أن توفر لبني البشر أمنًا يفتقدونه وهدوءًا يبحثون عنه، وحبًّا يتوقون إليه.
كان جريئًا في الحق ولو خالفته الدنيا بأسرها؛ لأنه كان يحرص على مرضاة ربه قبل أن يفكر في إرضاء الناس. وقف إلى جوار حركة 23 يوليو 1952م، ظنًّا منه أن "عبدالناصر" سيحقق الخير الذي أعلنه على الناس، وقد أغضب في ذلك الكثير من إخوانه ومحبيه، ولما تكشفت أمامه النيات، وبدأت تظهر الحقائق، سلك الطريق الذي ألزم به نفسه في حياته طريق الحق والصدق؛
قال له "عبدالناصر":
"إنني سأقضي على كل من يعترض طريقي"، فأجابه الشهيد "عبد القادر عودة" في صراحة المؤمنين: "ولكن من يبقون منهم سيقضون بدورهم على الطغاة والظالمين"، وفي يوم 28 من فبراير 1954م خرجت جموع الأمة تطالب الحكام بالإقلاع عن الظلم وتنحية الظالمين، وزحفت الآلاف إلى ميدان عابدين تطالب الرئيس "محمد نجيب" بالإفراج عن المعتقلين، وتنحية الباطش، ومعاقبة الذين قتلوا المتظاهرين عند كوبري قصر النيل، وتطبيق شرع رب العالمين، وأدرك القائمون على الأمر يومئذ خطورة الموقف، وطلبوا من المتظاهرين الثائرين أن ينصرفوا، ولكن بلا مجيب، فاستعان "محمد نجيب" بالشهيد "عبدالقادر عودة" لتهدئة الموقف متعهدًا بإجابة الأمة إلى مطالبها.
ومن شرفة عابدين وقف الشهيد "عودة" يطلب من الجماهير الثائرة أن تنصرف في هدوء؛ لأن الرئيس "نجيب" وعد بإجابة مطالبها، فإذا بهذا الكم الزاخر من البشر ينصرف في دقائق معدودة، وبمنطق الحكم الديكتاتوري الذي كان يهيمن على البلد حينذاك، كان لابد أن يصدر قرار في "عبد القادر عودة"؛
فإذا كان الشهيد قد استطاع أن يصرف الجموع الحاشدة التي جاءت محتجةً، تطالب بإطلاق الحريات وإفساح المجال للحياة الدستورية السلمية الأصيلة، والوفاء بالوعود وتأدية الأمانات، فهو يمثل خطورةً على هذا الحكم الذي كان مفهومه لدى الحاكم أن يضغط على الأجراس فيلبَّى نداؤه، وعلى الأزرار فتتحرك الأمة قيامًا وقعودًا.
ومن هنا كانت مظاهرة عابدين هي أول وأخطر حيثيات الحكم على الشهيد "عبد القادر عودة" بعد ذلك بالإعدام، ولذلك لم يكن غريبًا أن اعتقل هو والكثيرون من أصحابه في مساء اليوم نفسه، ووقفوا على أرجلهم في السجن الحربي من الرابعة فجرًا حتى السابعة صباحًا، ويضربهم ضباط السجن وعساكره في وحشية وقسوة.
وقُدِّم "عبد القادر عودة" في تهمة لا صلة له بها ولا علم، وحكموا على الشهيد بالإعدام، ظنًّا منهم أن قتل "عبد القادر عودة" سيمضي كحدث هين لا يهتم به أحد، ولكن حاكم ذلك العهد "عبدالناصر"، لما رفعت له التقارير من جواسيسه عن أثر ذلك الإعدام في نفوس الناس، قال في حديث نشرته الصحف في وقته:
"عجبت لأمر هذا الشعب، لا يرضى بالجريمة، ولكن إذا عوقب المجرم ثار عطفه على المجرمين"، ولكن ثورة العواطف عند الشعب لم تكن من أجل المجرمين، فما كان في الموقف واحد منهم، ولكن الشعب ثار كراهيةً منه للظلم ووفاءً منه للأبرياء".
لقد وقف أستاذنا "عبد القادر عودة" أمام المحكمة الهزلية متحديًا وقال:
أنا متهم بتهم لو صحت لكنت أنا الجاني وأنتم المجني عليكم، ولم أعرف حقًّا للمجني عليه في محاكمة الذي جنى عليه، إنني لا أجد في الدنيا قانونًا يبيح مثل هذه المحاكمة؛ فكيف يُعقل أن يكون القاضي هو الخصم وهو الحكم؟!
الحكم بالإعدام على "عبد القادر عودة"
الشهيد عبدالقادر عودة قبل الإعدام بدقائق
قُدِّم "عبد القادر عودة" إلى المحاكمة في تهمة لا صلة له بها، وهي محاولة اغتيال "جمال عبدالناصر"، أمَّا الأسباب الحقيقة لإعدامه فهي ما تتميز به شخصيته من مكانة رفيعة، وقدرة حركية، وصبرٌ على مواقف الشِدّة والجهاد، وجرأة في الحق نادرة؛
ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:
كان الشهيد "عودة" قد تزعم الدعوة إلى التقريب بين الإخوان و "عبد الناصر" في مطلع الخلاف، وظن "عبدالناصر" أن بإمكانه تقريب (وكيل الجماعة) الشهيد "عودة" إليه، وشطر الجماعة بذلك شطرين، وكان موقف "عودة" الصامد من هذه البادرة الصدمة التي ملأت صدر "عبدالناصر" حقدًا عليه ورغبةً في البطش به.
وعندما نصح "عبد القادر عودة" "جمال عبدالناصر" عام 1954م بضرورة إلغاء قرار حل جماعة الإخوان ؛ مخافةً أن يتهور شاب منهم في حالة غيظ واندفاع، فيقوم بعمل من أعمال الاعتداء بعيدًا عن مشاورة قادة الحركة، أجاب "عبدالناصر": "كم عدد الإخوان؟ مليونان، ثلاثة ملايين... إنني مستغنٍ عن ثلث الأمة، ومستعد للتضحية بسبعة ملايين إذا كان الإخوان سبعة ملايين"، وهنا غلب الذهول الشهيد "عودة"، وقال في ثورة: "سبعة ملايين ثمنًا لحياة فرد... ما أغناك عن هذا يا جمال!".وكان هذا الموقف من الأسباب التي دفعت إلى المصادقة على حكم الإعدام.
ومن الأسباب كذلك أن الشهيد "عودة" كان قد وقف موقفًا وطنيًّا خالدًا حين عمد الضباط إلى اتخاذ قرار بعزل "محمد نجيب" من رئاسة الجمهورية، فأقدم على استلام الراية وابتدر قيادة الحركة، ونظم عشرات الآلاف من الجماهير في مظاهرة لم يشهدها تاريخ مصر كله؛ وهو ما أرغم الضباط والوزراء على الرضوخ لإرادة الشعب وإعادة اللواء "محمد نجيب" رئيسًا للجمهورية المصرية.
ومن هذا اليوم تقرر انتهاز الفرص للحكم على عودة ويوم الخميس 9 كانون الأول 1954 كان موعد تنفيذ حكم الإعدام .. بعد افتعال مسرحية حادثة المنشية.
ومن الأسباب كذلك أن "عبدالناصر" أقدم على توقيع معاهدة مع الإنجليز ، فطلب مكتب الإرشاد من الفقيه القانوني الشهيد "عبدالقادر عودة" أن يتناول الاتفاقية تناولاً قانونيًّا، بعيدًا عن أسلوب التحامل والتشهير، فجاءت الدراسة التي سلمت إلى السلطات المصرية في ذلك الوقت، دراسةً قانونيةً تبرز للعيان ما تجره الاتفاقية على البلاد من استبقاء الاحتلال البريطاني مقنعًا، مع إعطائه صفة الاعتراف الشرعية، فضلاً عما يجره على مصر والبلاد العربية من ويلات الحروب دفاعًا عن مصالح الإنجليز والأمريكان كما وضح في الدراسة، وبذلك ازداد الحكم رغبةً في الانتقام من عبد القادر عودة.
ويوم الخميس الواقع في 9 من ديسمبر عام 1954م كان موعد تنفيذ حكم الإعدام على "عبد القادر عودة" وإخوانه الخمسة... وتقدم الشهيد "عودة" إلى منصة الإعدام وهو يقول: "ماذا يهمني أين أموت؛ أكان ذلك على فراشي، أو في ساحة القتال.. أسيرًا، أو حرًّا.. إنني ذاهب إلى لقاء الله"، ثم توجه إلى الحاضرين وقال لهم: "أشكر الله الذي منحني الشهادة.. إن دمي سينفجر على الثورة، وسيكون لعنةً عليها".
وقد استجاب الله دعاءه، فكان دمه لعنةً عليهم، فلم يفلت أحد من الظالمين من انتقام الله في الدنيا؛ حيث توالت عليهم النكبات، فهذا يصاب بمرض عصبي، وغيره تتوقف كليتاه ويحتبس بوله ويموت بالتسمم، وآخر يُحكم عليه بالمؤبد، وآخر يموت منتحرًا أو مسمومًا، ومنهم من تصدمه شاحنة فيتناثر لحمه في العراء، ومنهم يُعثر عليه قتيلاً بين الحقول، وغيره هاجمه جمل له وقضم رقبته فقتله، وكثيرون غيرهم من الظلمة وأعوان الظلمة الذين اضطهدوا الإخوان المسلمين، أرانا الله فيهم عجائب قدرته، أما كبيرهم ورأس الشر فيهم "عبدالناصر"، فقد كانت حياته كلها رعب وفزع في اليقظة والمنام، بل طفحت المجاري على قبره فكان عبرةً لمن يعتبر، والله غالب على أمره.
رحم الله العالم العامل، والقاضي الفقيه، والمجاهد الشهيد، الأستاذ "عبد القادر عودة"، ألحقنا الله وإياه بالأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء.
مؤلفات الأستاذ "عبد القادر عودة"

المراجع

من أعلام الحركة الإسلامية للمستشار "عبدالله العقيل".
الموسوعة الحركية بإشراف الأستاذ "فتحي يكن"




الشهيد محمد يوسف هواش

ظل محمد هواش يعيش مع زوجته فى المنيل وكان يقطن فى العمارة التى يقطن بها السادات وقد عرفه كل رجال المباحث ورجال المخابرات المكلفين بحراسة منزل السادات، حتى حدثت حادثة المنشية عام 1954م لتمكن لعبد الناصر من الحكم فاجتاحت البلاد تعتقل كل من تصل إليه أيدهم وكان هواش أحدهم فذهبوا إلى بيته لاعتقاله وانتظروا عودته ليقبضوا عليه غير أنه عندما وصل إلى مدخل المنزل أشار له الحراس المكلفين بحراسة السادات أن المباحث فى الشقة للقبض عليه ويجب أن يهرب واستجاب فعلا وهرب مدة عشرة أشهر، ولم تتمكن أجهزة عبد الناصر من القبض عليه عندما ذهبوا للقبض عليه واختفى الشهيد هوَّاش، ولكنه أخذ ينظِّم من بقي من الإخوان خارج السجون وأخذ يقودهم، واستطاعت أجهزة الأمن أن تكتشف نشاط هوَّاش الجديد، فألقت القبض على التشكيل، وتمكَّن هوَّاش من الإفلات للمرة الثانية.
وأخذ يشكِّل تنظيمًا آخر من شباب المدارس الثانوية وطلاب الجامعات، وكان هذا التنظيم الأخير من أجل تمويل أُسَر المسجونين التي لا عائل لها، وفي هذه المرة ألقي القبض عليه قدرًا"، وأثناء هروبه كان يتحايل لرؤية زوجته فتقول : كان يتصل بى خفية وكان بيننا اتفاق حيث إننى مراقبة وكان يسير ورائى دائما مخبر فكنت أخرج أنا وإحدى الأخوات ونذهب إلى المحطة حيث نقابل محمد فكان يسير عكس ما كنت أسير حتى نرى بعضنا ولا يشعر المخبر بما يحدث.
قبض عليه في 4/8/1955م، وقُدِّم للمحاكمة أمام محكمة الشعب في أكتوبر 1955م، وحُكِم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة، ونفِّذت العقوبة في ليمان طرة، وقضى المدة كلها في مصحة طرة؛ لأنه مريض بالصدر منذ سنة 1947م
وقُدِّر له أن يشهد مذبحة الإخوان في ليمان طرة في 1/6/1957م، والتي قُتِل فيها 21 من شباب الإخوان وجُرِح فيها مثلهم وفَقد 6 منهم عقولهم من هول المأساة الرهيبة، وسجَّل عنها يوميات كُتبت على ورق كانت تُلفُّ بها الجبنة، ثم تنظف وتجفف ويكتب عليها وتسرب إلى خارج السجن يومًا بيوم، ثم نُشرت تحت عنوان "يوميات الشهيد محمد يوسف هواش"، وكان يتصل بزوجته عن طريق أحد الفراشين فى السجن وكان يدعى أحمد حيث كان أحد التلاميذ فى الفصل التى كانت تدرس له زوجته وبعد تخرجه التحق بهذا العمل وأصبح يحمل لها الرسائل منه،
وقد جمعت بين يوسف هواش وسيد قطب،توأمة المحبة والأخوة في الله ، فصدق فيهما قول رسولنا القدوة "ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه".. كما جمعت بينهما وحدة الفكر والفهم والتصورات للإسلام والدعوة والحركة، كما جمعت بينهما مستشفى ليمان طرة التي عاشا فيها معًا فترة الاعتقال الأولى كلها، من أغسطس 1955 حتى أغسطس 1964، وفي الختام جمعت بينهما الشهادة التي نالاها معًا فى يوم واحد. وخرج من مصحة السجن في أغسطس سنة 1964م بموجب عفوٍ صحيٍّ".
خرج محمد يوسف هواش من المعتقل وتوجه لزوجته وأولاده، ثم سرعان ما حمل أهله وتوجه لزيارة أهله فى بلدته وصلا لرحمه ولم تمض الأيام كثيرا حتى أعلن عبد الناصر عن اكتشاف تنظيم للإخوان وأطلق يد المباحث الجنائية العسكرية والمباحث العامة فى السباق فى اعتقال وتعذيب الإخوان بحجة الكشف عن هذا التنظيم، ولم تكن هناك جريمة ارتكبوها يُعاقب عليها قانون أو تشريع، وإنما هي كما قال كبيرهم أسباب سياسية كان غرضها استئصال الدعوة والدعاة (الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) (آل عمران: 271).
وحاولت الحكومة أولا أن تقضي على الظاهرين من الدعاة باغتيالات فردية، وابتدأت المحاولة بالحاجة المجاهدة (زينب الغزالي) إذ داهمت سيارة كبيرة للمخابرات أو بإيعاز منها سيارتها وكسرت رجلها، ومكثت على إثرها عاما كاملا في المستشفى، وانتشر الخبر بأن المخابرات جادة في قتل سيد قطب، و زينب الغزالي، و محمد قطب، و محمد هواش فنكلت المخابرات عن خطتها.
أخذت العربات تجوب البلاد فى أكبر حملة اعتقال شهدها التاريخ الحديث فلم يحدث قبلها أو بعدها حملة كمثل هذه، وكانت بدايتها بإعلان من الكرملين معقل الشيوعية باعتقال كل من سبق اعتقاله، وكان الشهيد محمد يوسف هواش -رغم مرضه- أحد الذين طالهم هذا الإعتقال مع أنه لم يمر على خروجه العام
فلما دخلنا القفص وحضر من يسمونهم القضاة، نادى الدجوي أسماءنا واحدا واحدا سائلا كلا منا : هل لك اعتراض على المحكمة؟ .
ويجيب الأخ : ليس لي اعتراض على الأشخاص ، ولكنى أعترض على القانون الذي نحاكم به لأنه قانون جاهلي، ونحن لا نحتكم إلا لشرع الله ونصبت المحاكم وعندما سأل الدجوي الإخوان: هل لك اعتراض على هيئة المحكمة؟!
أجاب الشهيد سيد قطب: "لا أعترض على أشخاص المحكمة"، وكانت إجابة الإخوان مثل ذلك، إلا الشهيد محمد يوسف هواش وقف وقال: إنني كمسلم ومن وحي عقيدتي أرفض أن أتحاكم أو أُحاكَم إلى المحكمة لا تَحكمُ بمَا أنزل الله.. وهذه هي عقيدتي.
لم تستمر المحكمة كثيرا حتى أصدرت حكم الإعدام على الثلاثة:
1 : الاستاذ سيد قطب
2 : الشيخ عبد الفتاح إسماعيل
3 : الاستاذ محمد يوسف هواش
وفى ذلك تقول الحاجة زينب الغزالي: كان لا بد أن يصدر حكم الإعدام على الأستاذ سيد، وعلى تلميذه محمد يوسف هواش وعلى الشيخ عبدالفتاح إسماعيل، قال سيد عند صدور الحكم: (الحمد لله لقد جاهدت مدة خمسة عشر عاما حتى نلت هذه الشهادة)، وقال الشيخ عبد الفتاح: (فزت ورب الكعبة).
لقد ملك كل واحد منهما بصبره العجيب القلوب، حتى قلوب جلاديه، فلقد كان ضباط الحربي يقولون للشيخ عبد الفتاح: والله إن هذه البلد لا تستحقك، فأنت درة ضائعة في مصر.
تقول الحاجة فاطمة عبد الهادي :" حكم على زوجى محمد يوسف هواش بالإعدام مع الشهيدين سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل، وحضرت الجلسة الأخيرة، وسألت الشهيد سيد قطب: هل سينفذون حكم الإعدام؟ فرد عليها:
"إن كنا أهلا للشهادة هينفذوا، وإن لم نكن أهلا لها لن ينفذوا"، وقبل تنفيذ الحكم زرت زوجى في السجن الحربي، وتقدمت بتظلم من الحكم لرئيس الدولة، كما تقدم أيضًا أخوه الحاج أحمد بتظلم، لكنى فوجئت في الصباح وعلى صفحات الجرائد خبر يقول : "نفذ فجر اليوم حكم الإعدام في كل من سيد قطب إبراهيم و محمد يوسف هواش و عبد الفتاح إسماعيل "، فما زادنى ذلك إلاايمانا واحتسابًا لله، وعندما استكتبنى ضابط قسم مصر القديمة قرارا يعلمنى فيه بتنفيذ الحكم بكيت فقال لى: "إن الذي في باطن الأرض أمثال من أعدموا خير ممن على ظهرها"، ولم يُسلم زبانية هذا العهد الجثة لى".
رفض الشهداء سيد قطب و محمد يوسف هواش و عبد الفتاح إسماعيل أن يستنقذوا حياتهم بالاعتذار إلى قاتلهم، وتم إعدامهما.
رفض الثلاثة أن يستذلوا أنفسهم من أجل حياة وهم على يقين من أنها لا تعادل جناح بعوضة عند خالقها سبحانه وتعالى، كانوا يعرفون أن المحكمة التي حاكمتهم برئاسة الدجوي كانت أظلم المحاكم في التاريخ.
ولم يكتف عبد الناصر بإعدام هؤلاء الشهداء لكنه أصدر قرارا قال فيه :"لا يخرج واحد من الاخوان من السجن, من أنهى مدة السجن ينقل إلى المعتقل".
وفى خطاب يرسله إلى ابنته سمية يقول لها فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
سمية.. ابنتي.. وفلذة كبدي.. وروح الفؤاد
سلام الله عليك يا بنيتي حيث أنت الآن، وحيث ما تكوني إذا قدر الله لك أن تكبري وتقرأي هذه النصيحة الخالصة لوجه الله، المهداة لأحب خلقه إلي وآثرهم لدي.
أمك المؤمنة الصادقة الحبيبة جاءتني بليمان طرة بهذا المصحف الشريف، ورغبت إلي في أن أقدمه إليك في عيد ميلادك كما يقولون! وأصارحك يا بنيتي بأني لا أعترف بهذا العيد ولا أقره، لأني لا أجده في هذا المصحف، ولا في سنة من أنزل عليه وعلينا، وكل ما ليس في هذا المصحف ولا في سنة الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم فهو جاهلية.. هذا عيد الميلاد، وذاك عيد الأم، وعيد الثورة، ثم عيد الدستور، وشم النسيم، كل ذلك، وكل أمر الناس اليوم جاهلية.. وما كان لأبيك يا سمية الذي أسلم وجهه ودينه وكل أمره لله أن يتورط في جاهلية قومه إلا أن يشاء ربه شيئًا (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الأعراف: 89]، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فإني أرجو يا سمية أن تشعري أنه ليس هناك أمر من أمور هذه الدنيا يستحق أن يحتفل به لذاته، ومن هذه الأمور وعلى رأسها ميلاد الإنسان نفسه، فالشأن فيه موقوف على ما بعده، والعبرة بما تكون عليه حياة المولود من قربه من الله تعالى أو بعده عنه سبحانه.
ولقد انبلجت هذه الحقيقة، وشع نورها من القلب الرباني الخالص، قلب الخليفة الراشد الهادي المهدي ترجمان العارفين ولسان الصادقين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يوم وقف ممسكًا بلحيته الشريفة وهو يرتعد من الله فرقا ويمتقع وجه الكريم خوفا فيقول: "ليت عمر لم تلده أمه".. أدرك عمر الحبيب أن ميلاده بداية تنتهي به إلى يوم الحساب، يوم يسأل فيه الصادقون عن حقيقة صدقهم (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) [الأحزاب: 8] ، والصادقون في أعلى مراتب البشر، فكيف بغيرهم؟!!
هذا هو عمر بإيمانه ومعرفته، ولكن الناس اليوم يحتفلون بالحياة، أي حياة! وصدق الله العظيم (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 96]، على أني مع هذا لا أجد مانعًا من أن أقدم إليك هذا المصحف في مناسبة خليقة بالاحتفاء والتعظيم، ذلك هو شهر رمضان المعظم، الذي أنزل فيه هذا الكتاب.. وهنا تمتلئ النفس ويفعم القلب، وتستعجم العبارة.
ولا أجد ما أقوله إلا وصية أبي وأبيك إبراهيم، وقد حكاها الله تعالى في قوله: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 132].
الإسلام يا سميتي الحبيبة إسلام النفس والوجه والأمر كله، أمر الدنيا والآخرة لله رب العالمين، وهذا الحق مركوز في فطرة الإنسان من أول الخلق، بل في فطرة الوجود كله، سمائه وأرضه، وما بينهما، وكل شيء شاء الله بعد..
وفي هذا الكتاب الكريم يا بنيتي تفسير هذا الحق وتفصيل كل شيء.. فدونك يا سمية وصية أبينا إبراهيم الأواه الحكيم، وسنة نبينا المصطفى الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
واذكري أباك وأمك يا سمية بالدعاء الصالح. والسلام عليك يا بنيتي ورحمة الله وبركاته.
ليمان طرة في السادس والعشرين من رمضان 1376هـ
أبوك.......................
فأجابته ابنته سمية بخطاب جاء فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
أبي العزيز
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته – وبعد
أبي إني أكتب لك هذا الخطاب بعد أن صليت العشاء، أبي إن الله أعطاني نعمة عزيزة عليّ جدًا أحسن من الدنيا كلها هي الصلاة وطاعة أمي.
أبي أحب أن أقول لك إني عندما أقابل الله الخمس مرات بأدعو وأنا ساجدة إن يا أبي يفرج عليك الله وتيجي معانا البيت ونعيش في سرور.
وأحب أن أقول لك إن أمي عملت لي طرحة جميلة للصلاة وجنلة طويلة والجميع يسلمون عليك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛
5جماد أول 1383هـ = 23 سبتمبر 1963م
ابنتك: سمية محمد
بهذا ختم الشهيد محمد يوسف هواش حياتة بالشهادة التى كان يرجوها من الله
وقد قرات كلمات لزوجة الشهيد هواش فسطرتها فى نقاط مختصرة فى رسالة لزوجتى ونقلتها هنا بين يدى قصة الشهيد

زوجة الشهيد فاطمة عبد الهادي
لكل ثورة ضحايا والضحايا الذين أعدمهم جمال عبد الناصر كانوا من خيرة أبناء مصر ولم تكن تهمتهم إلا أن قالوا ربنا الله.
وكان أخي قد انضم للإخوان وقتها فشجعني على الذهاب ومن هنا تحجبت.
وذهب الشهيد محمد هواش للإمام حسن البنا وطلب منه أن يرشح له فتاة تقف له سنداً وهو في المعتقل فرشحني الإمام له وفعلاً تقدم لي الشهيد محمد.
كانت هناك أكثر من محنة في بداية زواجنا ولكن الشهيد محمد يعلمني الصبر في أصعب الابتلاءات وعلى سبيل المثال كان الشهيد يتحدث في خطبة أحد أخوانه فسقط مغشياً عليه وكان الدم ينزل من فمه وأخبرنا الطبيب من أنه يعاني من تليف في الرئة وبدأت الضغوط علي لكي أتركه لكني كنت قد وضعت أمري بين يد الله واختارته زوجي وأعلنت أني لن أتراجع حتى لو أصبحت ممرضة له طوال حياته، وعرفت من الشهيد محمد بعد ذلك أن سبب هذا المرض أنهم كانوا يملئون المعتقلات بالماء ويضعون الإخوان بها مما سبب له التليف في الرئة بهذا الشكل.
ومن المحن في بداية زواجنا فصل محمد من عمله لكنه بعد فترة قصيرة وجد عمل وفي مكان أفضل.
رفض الشهيد الهروب من مصر وقتها مثلما العديد من الإخوان.
وبعد فترة كنت ذاهبة لتوصيل الفطير الذي أعده للمعتقلين فحصر رجال عبد الناصر عمارتنا وقد كان السادات يسكن معنا في نفس العمارة وحاول الضباط اعتقالي فناديت على السادات الذي كان موجوداً في شقتي وقد علق لافتة على باب العمارة مكتوب عليها (ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد) ونزل السادات ونظر إلينا واستقل سيارته وهرب وبعد تصميم مني قرر رجال المباحث ألا يعتقلوني لكن وضعوا لي مخبراً يلازمني في أي مكان أذهب إليه.
ولم يمر يومان حتى جاء رجال المخابرات ومعهم عساكر مخمورين وقاموا بتحطيم الباب وكان عمر سمية ابنتي عامين وأختي كاميليا انتابها فزع ودخلوا علينا بهمجية ودفعني أحد الضباط وأنا حامل لاصطدم بالحائط وبدأوا بتفتيش الدواليب وكان خلال ذلك دائماً يسرقون كل ما يستطيعون سرقته من الشقة.
أثناء فترة هروب الشهيد محمد كان يتخفى في هيئة زبال أحياناً ويأتي البيت وتكون لحظات اللقاء قليلة لكن يبث في الأمل بكلماته الحانية ويذكرني بتعهدنا وشوقنا للجنة وأن هذا طريقنا طريق الدعوة الذي ارتضيناه كذلك كنت ألقاه كثيراً أثناء خروجي للعمل ويكون المخبر معي ولكن الله يعميه واذكر أني لقيته مرة في القطار وكان المخبر معي وحادثته وأعطاني رسالة ورقية.
عندما اعتقل زوجي كنت ناظرة بمدرسة المنيرة فأعادوني مدرسة مرة أخرى وبعد فترة تم نقلي إلى كفر الشيخ وأعتقد أنها كانت المرة الوحيدة التي بكيت فيها خلال رحلة المعاناة في العمل فقد كنت مضطرة لترك أولادي في القاهرة ولم يكن في وسعي ترك العمل لأنه لم يكن لنا أي مصدر غيره.
وأذكر أنهم نقلوني مرة لمدرسة أحداث وكانوا يقفذون من الشبابيك للهروب من المدرسة وأخلاقياتهم كانت سيئة ودرست لهم مدة ثلاث سنوات لاكتشف بعد ذلك أن من بينهم من أصبحوا أخوة كباراً ففي مرة طرق شقتي شخص وعندما فتحت الباب عرفته من وجه فقد كان أحد تلامذتي وأخبرني أنه أحضر لي رسالة من زوجي عندما قابله في أحد الممرات في السجن وقد كان معتقلاً معه وأصبح هذا الأخ هو الذي ينقل الخطابات بيننا فيما بعد.
كانت هناك محاولات لاعتقالي وكانوا يعتقلوننا خلال أحداث مجزرة طرة عندما ذهبت مع الأخت حميدة قطب أخت الشهيد سيد قطب لاستكشاف ما حدث فقد كانت الدبابات والمدافع مصوبة ناحية السجن وقد أسفرت المجزرة عن 16 شهيد وعشرات الجرحى ولكننا نجحنا في الهروب.
أما اعتقالي فقد كان من البيت وقد كان البرد شديداً وأعاني من نزيف حاد فطلبت منهم أن أحضر ملابسي فرفضوا وانتقلت للسجن مع بعض الأخوات لنلقى معاملة سيئة للغاية ونبقى بلا علاج حتى أني أذكر مرة كيف دفع ضابط إحدى الأخوات وكانت حاملة فتوفيت فأما أنا فتركوني حتى تدهورت حالتي الصحية تماماً واضطروا لنقلي للمستشفى تحت رقابة عسكرية وخلال ذلك صدر قرار بالإفراج عنا.
كما أذكر أن السيدة سألتني عن اسم ابني لكي تسمى ابنها بي وعندما جاء الضابط وسألها ماذا ستسمي ابنها فقالت له (أحمد جهاد) فهو اسم مركب فدفعها الضابط قائلاً جهاد في عينك يا بنت .....؟؟؟ انتوا مش هتبطلوا جهاد فسمى الولد باسم عادل.
كان اللقاء الأخير بيني وبين الشهيد محمد عقب خروجي من المعتقل بفترة فذهبت لزيارته ووقتها حدثني قلبي بأنها آخر مرة سأراه في حياتي وجاء الضابط بمحمد يمسكه بملابسه يدفعه حتى سقط أمامي وأمام أولاده على الأرض وكانت ملابسه ممزقة من الكلاب البوليسية وأثار التعذيب واضحة على جسده ورفض الضابط أن يجعله أن يأكل من الطعام الذي أحضرته له وعندما بدأت أصرخ في الضابط قال لي الشهيد محمد إنه صائم منذ دخوله السجن وهو صائم اليوم أيضاً فقال له الضابط ستندم وجلس أحمد ابني على رجل والده وسأله قائلاً هل يريد عبد الناصر أن يقتلك ... فقال له محمد: الموازين مقلوبة وستبقى مقلوبة حتى يوم القيامة وودعناه بعد أن أخبرني أن معه الشيهد سيد قضب والشهيد عبد الفتاح إسماعيل، وفي اليوم التالي وجدت الجريدة على شراعة الباب وعلى الصفحة الأولى خبر إعدام الشهيد فجر هذا اليوم لم أبكي وطلبت من الله أن يأجرني ويلهمني الصبر وعندما جاء طوسون أخو الشهيد محمد وكان يبكي فطلبت منه البقاء معنا لأن المباحث قد تحضر لنا جثة الشهيد وليس معي أي رجل في البيت وكان حولي الأخوات جميعهن وحضر رجال المباحث وطلب مني الضابط أن أكتب تم فجر اليوم تنفيذ حكم الإعدام في ..... وكتبت أسماء الشهداء ولم أبكي منذ إعدام زوجي إلا لحظة كتابة اسمه، فقال لي الضابط لا تبكي فمن هم بداخل الأرض في هذه الأيام أفضل من الموجودين على ظهرها ولم يكن هناك عزاء ولم نتسلم جثته ولا أعرف حتى الآن أين دفن الشهيد.
سمية ابنتي كانت تعايش هذه الأحداث بانكسار ولم تخرج من هذه الحالة إلا عندما كبرت فقد كانت لا تتكلم كثيراً بل تكتم الأسى داخلها ... اما أحمد فقد كان يعبر بشدة عما يعانيه حتى إنه كان أحياناً يلعن عبد الناصر ويدعو عليه ونحن داخل السجن فيبكي العساكر لأجله ويطلب من أبيه أن يقتحم السجن ويخرج فقد كان ثورياً بطبعه وقد عايش وفاة والدتي أثناء اعتقالي وبعد خروجي من المعتقل لم يخبرني خوفاً علي وقام برعاية أخته سمية أثناء فترة اعتقالي خصوصاً عندما  أصابها المرض وتقبل استشهاد والده بقلب قوي صامد وكان عمره حين ذاك عشر سنوات.
واستمرت معاناتي حتى بعد استشهاد زوجي فقد ساعيت السفر باولادي إلى قطر والتدريس هناك وبعد أن حزمنا حقائبنا منعتنا المباحث من ذلك وذهبت إلى وزارة الداخلية لاشتكي فقالوا لي لا تحاولي فالقرار من عبد الناصر نفسه ولكن في عام 1981 سافرت مع ابنتي سمية وزوجها إلى السعودية وقضيت 14 عاماً هناك وانتقلنا من جدة إلى مكة وكنت أقضي كل عام بين الحاج والعمرة وحفظ القرآن وكانت هذه هديت الله لي بعد معاناتي في مصر.
ومازالت رسائل زوجي الشهيد كنز معي أحتفظ بها وتذكرني بما عايناه أنا وزوجي وتصبرني حتى موعد لقائنا بالجنة فأذكر أنه قبل اعتقاله طلب مني مصحفاً قبل أن يذهب للمعتقل فلم أجد إلا مصحف أحمد ابني واعطيته له ووعدني انه سيرده إلي وأعدم الشهيد وسافرت إلى السعودية ونسيت أمر المصحف ومن فترة ليست ببعيدة وجدت المصحف هو هو على دولابي وسألتي زوج ابنتي فأخبرني ان الشهيد اعطى المصحف لأحد الإخوان الذين خرجوا من المعتقل وطلب منه أن يوصله لزوجته وعندما خرج الأخ سافر إلى النمسا وأعطاه لأخ أخر كان مسافراً إلى مصر والأخ الآخر أعطاه إلى والدته التي كانت مسافرة إلى السعودية وسألت عني وأعطته لزوج ابنتي الذي أحضره فقد كان موقفاً رائعاً عندما فتحت المصحف بعد ثلاثين سنة تقريباً لأجد به رسالة من زوجي الحبيب قبل اعدامه مباشرة.



السنانيرى

حياته في السجن
وفي أثناء محاكمته تعرض إلى تعذيب وحشيٍّ فاق كل خيال، حتى إن والدته لم تتعرف عليه في أثناء حضورها الجلسة الأولى للمحاكمة؛ لشدة ما وقع عليه من عذاب، فقد نحل جسمه، وكسر فكه؛ حتى تغيرت طريقة كلامه، وبلغ من شدة تعذيبه أن شقيق زوجته الأولى - وكان معتقلاً معه - أصيب بالذهول من هول المآسي التي نزلت على السنانيري، ولم تتحمل أعصابه المرهفة آثارالعذاب الوحشية البادية على الجسد الواهن، ففقد عقله، ونقل إلى مستشفى الأمرض العصبيَّة. وظل في السجن لا يلبس إلا الثياب الخشنه، ورفض ارتداء الثياب الداخلية التي كان لكل سجين حق شرائها من مقصف السجن، وعاش سجنه متجردًا من كل ما يعتبره ضابط السجن منحة توهب للسجين ترغيبًا أو يحرم منها ترهيبًا، آثر أن يتجرد من كل ما يمكن أن يحرم منه؛ ليملك من نفسه ما يعجز الآخر أن يملكه منه. وهذا السلوك يجلي نفس "السنانيري" التي ملكها، وجعلها طوع بنانه، وأخلى قلبه من التطلع إلى الدنيا بعد أن ملأه زهدًا وصلاحًا، يصوم النهار، ويقوم الليل، ويأخذ نفسه بالشدة؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن يرفض ما يطلبه منه ضباط السجن من تأييد نظام عبد الناصر طلبًا للسلامة، وطريقًا للخروج من جحيم السجن. وفي فترة سجنه طلق زوجته الأولى بعد أن ضغط رجال المباحث على أهلها لتطلب الطلاق، وكان قد خيَّرها من قبل بين البقاء زوجة له أو الطلاق، ولكنها آثرت أن تظل زوجة له، لكن أهلها أجبَروها على الطلاق منه, ثم مُنَّ عليه وهو في السجن بأن عقد قرانه على "أمينة قطب" أخت الشهيد "سيد قطب"، وبنى بها بعد خروجه من السجن، ولم يرزق منها بأطفال.
نشاطه بعد الإفراج عنه
وبعد خروجه من السجن عاود نشاطه الدعوي، ولم يركن إلى الدعة والراحه بعد المعاناة الطويله التي تحملها في صبر وثبات، فالدعاة والمصلحون لا يتخلون عن رسالتهم مهما عانوا من تبعاتها. وكان من أبرز نشاطاته دوره في ميدان الجهاد في أفغانستان، التي تعرضت للغزو الروسي، ووقعت في قبضته، وقد بذل السنانيري وقته وجهده في دعم المجاهدين الأفغان، ورأب الصدع بينهم، وإصلاح ذات البين بين قادته الذين أحبوه جميعًا، وعرفوا قدر إخلاصه وحرصه على وحدتهم، ودانوا له بالطاعة والاحترام، فلا يكادون يخالفون له أمرًا في أثناء وجوده معهم.
اعتقاله واغتياله في المعتقل
وبعد عودته من أفغانستان تعرض للاعتقال مع غيره من أبناء الحركة الإسلامية وقادة العمل الوطني في مصر، وكان الرئيس السادات قد أصدر- في [ذي القعدة 1401 هـ الموافق سبتمبر 1981 م] - قرارات التحفظ الشهيرة على معارضي سياسته، وألقى بهم في المعتقلات بعد أن اشتدت المعارضة لاتفاقيات الصلح مع العدو الإسرائيلي، وتعرّض السنانيري في أثناء اعتقاله لتعذيب رهيب؛ أملاً في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ووقع عليه أهوال من العذاب بعد أن تجاوز الستين من عمره، ولم يتحمل جسده هذه الأهوال التي تفنن زبانية التعذيب في إلحاقها به, ولم يكن لمن في سنه أن يتحمل هذه الأهوال ففاضت روحه الطاهرة في [10 من المحرم 1402 هـ الموافق 8 من نوفمبر 1981م]. ولم يكتف هؤلاء الجلادون بقتله، بل حاولوا اغتياله معنويًا، فأشاعوا أنه قد انتحر بأن ربط عنقه بفوطة، ثم ربطها بكوع الحوض الموجود بالزنزانة، وصار يجذب نفسه حتى مات، وفى الصباح اكتشف السجَّان الجثة، وجاء الطبيب الشرعي، وعاينها وأثبت سبب الوفاة. ولم يصدق أحد هذه القصة الملفقة، التي لايمكن أن يقبلها عقل طفل صغير, فتاريخ السجون المصرية في عهد الثورة مليء بمثل هذه المآسي، وخبرة رجالها في اغتيال المعتقلين العزَّل أمر يعرفه الناس جميعًا، وتلفيق التهم الكاذبة عن ادعاء هروبهم بعد القيام بقتلهم معروف بين الكافة, ولا يمكن لمن صمد عشرين عامًا ثابت النفس، راسخ الإيمان أن يجزع لاعتقاله فترة قليلة من الزمن، فيقدم على مثل هذا العمل.
مراثي زوجته
عرف الأدب العربي مراثي الأزواج لزوجاتهم، وهي تفيض ألمًا وحزنًا على فراق أحبتهم، ومن الشعراء من خصص ديوانًا كاملاً لرثاء زوجاتهم، مثل "عزيز أباظه" و"عبد الرحمن صدقي" و"محمد رجب البيومي", غير أن رثاء الزوجات لأزواجهن نادر في الشعر العربي، وقد رثت السنانيري زوجته "أمينة قطب" في أكثر من قصيدة، وكان لها في ذكرى استشهاده من كل عام قصيدة حزينة مؤثرة، ولو جمعت هذه القصائد في ديوان لكان حدثًا كبيرًا في دنيا الشعر العربي المعاصر.
إنَّ قصة زواج "أمينة" من الشهيد "السنانيري" لتبعث على الإجلال والعجب معاً، فقد تمَّ الرباط بينهما حين كان الشهيد كمال السنانيري داخل السجن.
تقول السيدة أمينة: كان هذا الرباط ...قمة التحدي للحاكم الفرد الطاغية الذي قرر أن يقضي على دعاة الإسلام بالقتل أو الإهلاك بقضاء الأعمار داخل السجون.. لقد سجن الداعية الشهيد كمال السنانيري في عام 1954م، وقُدِّم إلى محاكمة صورية مع إخوانه لأنهم يقولون ربنا الله.. وحكم عليه بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة (25 عاماً) ثم يعاد بعدها إلى المعتقل.
...
وبعد مرور خمس سنوات خرج ليدخل مستشفى السجن، وفيها قابل الأستاذ "سيد قطب"، الذي كان يعالج في نفس المستشفى، وفي هذا المكان طلب "السنانيري" يد "أمينة" من أخيها "سيد"، وبعد عرض الأمر عليها وافقت على هذه الخطبة التي ربما تمتد فترتها لتستمر عشرين عامًا، هي الفترة الباقية لهذا الخطيب المجاهد حتى يخرج من محبسه الظالم، وتم العقد بعد ذلك، على الرغم من بقاء العريس خلف الأسوار المظلمة، وكأن "أمينة" بذلك تعلمنا معاني كثيرة؛ تعلمنا التضحية الفريدة، فقد كانت شابة ولم يفرض عليها أحد هذا الاختيار، إنها عشرون عامًا، ليست عشرين يومًا أو حتى عشرين شهرًا!! وكأنها كذلك تذكر أولئك المجاهدين المحبوسين عن نور الشمس بالأمل والثقة في وعد الله واختياره،
وكان الزوج العطوف يكره لها غبنًا أو ظلمًا، فارسل لها : "لقد طال الأمد، وأنا
مشفِقٌ عليك من هذا العناء، وقد قلت لكِ في بدء ارتباطنا قد يُفرَج عني غدًا، وقد أمضي العشرين سنة الباقية أو ينقضي الأجل، ولا أرضَى أن أكون عقبةً في طريق سعادتك، ولكِ مطلَق الحرية في أن تتخذي ما ترينه صالحًا في أمرِ مستقبلك من الآن، واكتبي لي ما يستقرُّ رأيُك عليه، والله يوفقك لما فيه الخير".، ووصل رد "أمينة" في رسالة تنبئ عن كريم أصلها، جاء فيها: "لقد اخترت أملاً أرتقبه، طريق الجهاد والجنة، والثبات والتضحية، والإصرار على ما تعاهدنا عليه بعقيدة راسخة ويقين دون تردد أو ندم".
ومرت السنوات الطويلة سبعة عشر عامًا، خرج الزوج بعد أن أفرج عنه عام 1976م، ليواصل مع "أمينة" الأمينة رحلة الوفاء والكفاح، وتمَّ الزواج، وعاشت أمينة معه أحلى سنوات العمر. وفي الرابع من سبتمبر سنة 1981م اختُطف منها مرة أخرى ليودع في السجن، ويبقى فيه إلى أن يلقى الله شهيداً من شدة و هول ما لاقاه من تعذيب في السادس من نوفمبر من العام نفسه، وسُلِّمت جثته إلى ذويه شريطة أن يوارى التراب دون إقامة عزاء..
وظلت "أمينة" تعيش على تلك الذكريات الجميلة، ذكريات الحب والوفاء والجهاد والإخلاص.
وكتبت في شعرها: متساءلة بلوعة بعد فراقه:

هل ترانا نلتقـي أم أنهـا *** كانت اللقيا على أرض السراب؟!
ثم ولَّت وتلاشـى ظلُّهـا *** واستحالت ذكـرياتٍ للعذاب
هكذا يسـأل قلبي كلمــا *** طالت الأيام من بعد الغياب
فإذا طيفك يرنـو باــمًا *** وكأني في استماع للجـواب
أولم نمضِ على الدرب معًا *** كي يعود الخـير للأرض اليباب
فمضينا في طريق شائـك *** نتخلى فيه عن كل الرغـاب
ودفنَّا الشوق في أعماقنا *** ومضينا في رضــاء واحتساب
قد تعاهدنا على السير معـًا *** ثم عاجلت مُجيبًا للذهـاب
حيـن ناداك ربٌّ منع،مٌ *** لحيـاة في جنـان ورحـاب
ولقاء في نعيم دائم *** بجنود الله مرحى بالصحـــاب
قدَّموا الأرواح والعمر فدا *** مستجيبين على غـير ارتياب
فليعُد قلبك من غفلاته *** فلقاء الخلد في تلك الرحــاب
أيها الراحل عذرًا في شكاتي *** فإلى طيفك أنَّات عتـاب
قد تركت القلب يدمي مثقلاً *** تائهًا في الليل في عمق الضباب
وإذ أطوي وحيدًا حائرًا *** أقطع الدرب طويلاً في اكتئـاب
فإذ الليل خضـمٌّ موحِشٌ *** تتلاقى فيه أمواج العـذاب
لم يعُد يبــق في ليلي سنًا *** قد توارت كل أنوار الشهاب
غير أني سوف أمضي مثلما *** كنت تلقاني في وجه الصعاب
سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا *** يرتضي ضعفًا بقول أو جواب
سوف تحذوني دماء عابقات *** قد أنارت كل فجٍ للذهـاب

يقول عنه الأخ عبد الله الطنطاوي في جريدة "اللواء" الأردنية: ".. لقد وجد فيه الإمام الشهيد (مُصعبًا) جديدًا يتفانى في خدمة الدعوة وأبنائها، ويسهر على فهمها واستيعاب أبعادها الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والجهادية، فكان مناط الرجاء والقدوة العملية للشباب باستقامته وورعه وزهده وحركته وبذله من ذات نفسه وماله ووقته وجهده، وبتدينه، فقد كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويقوم الليل مصليًا وتاليًا القرآن وذاكرًا ربه بدموع سخيّة، وبتواضعه لإخوانه من أبناء مصر ومن الوافدين من الأقطار العربية والإسلامية.
لقد تُوفي أبوه وترك له أسرة مؤلفة من ثلاثة أشقاء، وثلاث شقيقات، وأمه، فكان العائل لهم، وكان الأب الشفيق الرحيم، وإن كان بعضهم يكبره في السن، وهكذا أضيف إلى أعباء الدعوة عبء الأسرة، بل أعباؤها، والأخ كمال راضٍ بما قسم الله وقدره له، يسعى على أسرته ويحرث في حقول الدعوة وميادينها ويغرس الفسائل التي ستُؤتي أُكلها في قابل الأيام.
عمل من أجل فلسطين، كما عمل من أجل مصر، وقدم جهده في خدمة القضايا العربية والإسلامية فازدادت مهماته وازداد معها نشاطه وتضحياته حتى أنه لم يفكر في شراء بيت وأثاث، فهو كثير التنقل والأسفار، وإذا أراد أن يأوي إلى فراش سارع إلى بيت أخته الكبرى ليستريح لحظات ويأكل لقيمات، ثم يبادر، ما ترك أمسه ليومه، وما سيفعله في غده.
في 28/2/1954م تحركت جماهير الشعب نحو قصر عابدين تنادي بالحريات التي طغى عليها وبغى ناصر وزبانيته، وكان لشهيدنا السنانيري دورٌ كبيرٌ في تنظيم هذه المظاهرة التي ضمَّت مئات الألوف بقيادة العالم الجليل الشهيد عبد القادر عودة، وانهمر الرصاص الآثم على المتظاهرين، وارتفعت أرواح الشهداء عن يمينه وعن شماله، وكمال السنانيري صامد يقود وينظم ويرفع قمصان الشهداء المضرجة بالدماء، يرفعها ويهتف ليرى الناس ويعلموا أي حكم هذا الذي يحكم مصر، وماذا يريد رجال الثورة بمصر وشعبها.
وكان كلاب النظام يرصدون القادة الفاعلين في قيادة تلك المظاهرات وكان فيهم ومنهم كمال السنانيري الذي قضت محكمة الشعب (مهزلة المحاكم التاريخية) قضت عليه بالحكم بالأشغال الشاقة مدة عشرين عامًا.
اعتقل كمال السنانيري في أكتوبر عام 1954م وأفرجوا عنه في يناير 1973م بالتمام والكمال، ولم يكن للسادات فضل في الإفراج عنه فقد أمضى المدة التي حكم عليه بها في سجون الواحات في وهج شمسها المحرقة، ولهيب هواء الصحراء، واشتعال الرمال بالأقدام الحافية.
بعد الحكم عليه ضغطوا على زوجته وأمه لعلهما تثنيانه عن عناده، ويكتب سطرين في تأييد عبد الناصر فأبى بشدة، وقال لأمه التي طلبت منه أن يكتب رسالة استعطاف وشفعت كلامها بدموع سبعينية، فاعتذر لها وقال بشموخ الداعية: "كيف يكون موقفي بين يدي الله إذا أَرْسلت هذه الرسالة ثم مت، هل ترضين يا أمي أن أموت على الشرك؟".
وخيّر زوجته بين البقاء زوجة له أو الطلاق، فالتقطت دمعاتها وقالت: "أبقى زوجة لك أيها الحبيب"، ولكن رجال المباحث الناصرية ضغطوا على أهلها فأجبروها على الطلاق منه.
اعتقاله وسجنه
اعتقل في أكتوبر سنة 1954م وحكمت عليه المحكمة التي أنشأها الطاغية عبد الناصر بالسجن الذي أمضى فيه كامل الحكم حتى أفرج عنه في يناير سنة 1973م، أصيبت أذنه بأذى شديد من التعذيب، فنقل إلى مستشفى القصر العيني، وكان يحمد الله بعد خروجه من السجن لأنه صار يسمع بأذنه المصابة أفضل مما يسمع بأذنه السليمة..
وكانت والدة السنانيري وشقيقته الكبرى تواظبان على حضور جلسات المحاكمة الهزلية سنة 1954م، وفي الجلسة الأولى لم تتعرف الوالدة على ابنها كمال لما أصابه من التشويه نتيجة التعذيب، فسألت ابنتها: أين أخوك كمال؟ فقالت لها: إنه الذي في القفص، فردت عليها الأم: لا يا بنتي هو أنا (عبيطة) حتى لا أعرفه؟!
وكان السنانيري قد نحف جسمه حتى باتت ثيابه فضفاضة عليه وحلقوا شعر رأسه ولحيته وكسروا فكه حتى تغير كلامه، كما أن أذنه اليُسرى فقدت سمعها، وبقيت والدته في تلك الجلسة مُصرة على أن هذا ليس ابنها كمال.
زواجه في السجن
وفي فترة سجنه الطويل عقد قرانه على الأخت الفاضلة (أمينة قطب) شقيقة الشهيد سيد قطب وتزوج بها بعد الخروج سنة 1973م ولم يرزق منها بأولاد، لأنها قد تجاوزت الخمسين من العمر.
زهده وورعه
كان بطبعه لا يحب المظاهر ويميل إلى البساطة، ويحب البسطاء من الناس ويهتم بوعظهم وتوجيههم وجمعهم على العقيدة الصحيحة النقية الصافية من البدع والخرافات، وكان زاهدًا في الحياة، يقوم الليل ويصوم الأيام الطويلة... وعاش في السجون لا يلبس إلا الثياب الخشنة.
ورجلٌ هذه حياته وهذا زهده لم يكن غريبًا أن يأبى ما يطلبه منه ضباط السجن وضباط المباحث، طوال مدة سجنه عشرين عامًا، من تأييد لنظام عبد الناصر، آخذًا بالعزائم معرضًا عن الرخص.
خروجه من السجن وجهاده
وبعد خروجه، كان وكأن السجن الذي جاوز العشرين عامًا قد زاده نقاء إلى نقائه وصفاء إلى صفائه وصلابة إلا صلابته، وكان حريصًا على جمع صفوف الإخوان في العالم كله.
وذهب كمال السنانيري لميدان الجهاد في أفغانستان حيث أعطاه جهده وطاقته، وبذل أقصى ما يستطيع لدعمه ورفده وإصلاح ذات البين بين قادته الذين أحبوه جميعًا ودانوا له بالأستاذية فلا يكادون يخالفون له أمرًا في وجوده بينهم.
وحين اعتُقل بعد عودته من أفغانستان، ظل العذاب يُصب عليه من زبانية السلطة؛ ليعرفوا دوره في الجهاد الأفغاني، ودور من معه، فاستعصى عليهم، ولم يخرجوا بشيء رغم الأيام والليالي المتوالية التي أمضوها وهم ينهالون عليه تقطيعًا وتمزيقًا، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ولقي ربه شهيدًا من شهداء الحق والصدق إن شاء الله يوم 8/11/1981م.
وكان رحمه الله في أيامه رهن التحقيق الذي أشرف عليه الجلاد (حسن أبو باشا) حين ودّع الحياة الدنيا أزهد ما يكون فيها، ليستقبل ريح الجنة أشوق ما يكون إليها.
لقد سقط الشهيد بين جلاَّديه وهم يحاولون انتزاع ما يرضيهم من الطعن في الجماعات الإسلامية، ولكنه استمر يقول: "إن السادات قد فتح قبره بيديه بتوقيعه معاهدة الذل (كامب ديفيد) التي تقضي بتسليم رقاب الشعب المصري المسلم لإسرائيل وأمريكا" (مجلة المجتمع 11/11/1981م).
كتب عنه الأستاذ صلاح شادي: "... عاش كمال السنانيري حياته في سجون عبد الناصر أكثر من تسع عشرة سنة، لا يلبس إلا ثياب السجن الخشنة.. وحتى الثياب الداخلية التي كان لكل سجين حق شرائها من مقصف السجن كان يرفضها لا لقلة من ماله، وإنما كان يأبى إلا أن يعيش متجردًا من كل ما يعتبره ضباط السجن منحة توهب للسجين ترغيبًا أو يحرم منها ترهيبًا.. فآثر رحمه الله أن يتجرد من كل ما يمكن أن يحرم منه؛ ليملك من نفسه ما يعجز الغير أن يملكه منه، كان هذا مفتاح شخصيته الزاهدة المتجردة وكان دأبه على هذا السلوك موضع عجبنا وإعجابنا، فقد كنا نأخذ أنفسنا بالرفق لنستطيع أن نتحمل مشقة الطريق الطويل الذي قدر الله لنا أن نسلكه، أما هو فقد كانت نفسه أطوع لديه من بنانه، فما عاد يحس بمشقة تدعوه إلى الرفق بها" انتهى.
قصيدة زوجته
وقد رثته زوجته أمينة قطب في أكثر من قصيدة، وكانت لها قصيدة حزينة مؤثرة في ذكراه كل سنة بعد استشهاده، وكانت أولى تلك القصائد بعد استشهاده هي قولها:
ما عدت أنتظر الرجوع ولا مواعيد المساء
ما عدت أحفل بالقطار يعود موفور الرجاء
ما عدت أنتظر المجيء أو الحديث ولا اللقاء
ما عدت أَرْقُب وقع خطوك مقبلاً بعد انتهاء
وأضيء نور السُلَّمِ المشتاق يسعد بارتقاء
ما عدت أهرع حين تقبل باسمًا رغم العناء
ويضيء بيتي بالتحيات المشعة بالبهاء
وتعيد تعداد الدقائق كيف وافانا المساء؟
وينام جفني مطمئنًا لا يؤرقه بلاء
ما عاد يطرق مسمعي في الصبح صوتك في دعاء
ما عاد يرهف مسمعي صوت المؤذن في الفضاء
وأسائل الدنيا: ألا من سامع مني نداء؟
أتراه ذاك الشوق للجنات أو حب السماء؟
أتراه ذاك الوعد عند الله؟ هل حان الوفاء؟
فمضيت كالمشتاق كالولهان حبًا للنداء؟
وهل التقيت هناك بالأحباب؟ ما لون اللقاء؟
في حضرة الديان في الفردوس في فيض العطاء؟
أبدار حق قد تجمعتم بأمن واحتماء؟
إن كان ذاك فمرحبًا بالموت مرحى بالدماء
ولسوف ألقاكم هناك وتختفي دار الشقاء
ولسوف ألقاكم أجل. وعد يصدقه الوفاء
ونثاب أيامًا قضيناها دموعًا وابتلاء
وسنحتمي بالخلد لا نخشى فراقًا أو فناء
رحم الله أستاذنا السنانيري رحمة واسعة، وألحقنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.




الشهيد المفسر الاديب 
سيد قطب

المساومة قبل الإعدام
تقول الداعية زينب الغزالي ׃
"... طلب الطغاة حميدة قطب ليلة تنفيذ الحكم بالإعدام. فقالت׃ استدعاني حمزة البسيوني إلى مكتبه وأراني حكم الإعدام والتصديق عليه ثم قال لي إن الحكومة مستعدة أن تخفف هذا الحكم إذا كان شقيقي يجيبهم إلى ما يطلبونه ثم أردف قائلا إن شقيقك خسارة لمصر كلها وليس لك وحدك... إننا نريد أن ننقذه من الإعدام بأي شكل وبأي وسيلة .
إن بضع كلمات يقولها ستخلصه من حكم الإعدام ولا أحد يستطيع أن يؤثّر عليه إلا أنت . أنت وحدك مكلفة بأن تقولي له هذا ... نريد أن يقول إن هذه الحركة كانت على صلة بجهة ما.. وبعد ذلك تنتهي القضية بالنسبة لك. أما هو فسيفرج عنه بعفو صحي.
قلت له ولكنك تعلم كما يعلم عبدالناصر أن هذه الحركة ليست على صلة بأي جهة من الجهات . قال حمزة البسيوني ׃ أنا عارف وكلنا عارفون أنكم الجهة الوحيدة في مصر التي تعمل من أجل العقيدة... نحن عارفون أنكم احسن ناس في البلد .. ولكننا نريد أن نخلص سيد قطب من الإعدام.
فقلت له إذا كان سيادتك عاوز تبلغه هذا فلا مانع.
وذهبت إلى سيد شقيقي وسلمت عليه وبلغته ما يريدون منه فنظر إلي ليرى اثر ذلك على وجهي وكأنه يقول׃ أأنت التي تطلبين أم هم ؟ واستطعت أن افهمه بالإشارة انهم هم الذين يقولون ذلك . وهنا نظر إلي وقال ׃ ولله لو كان هذا الكلام صحيحا لقلته ولما استطاعت قوة على وجه الأرض أن تمنعني من قوله. ولكنه لم يحدث وأنا لا أقول كذبا أبدا.
... وأفهمت أخي بالحكاية من أولها وقلت له إن حمزة استدعاني وأراني تنفيذ حكم الإعدام وطلب مني أن اطلب منك هذا الطلب.
سأل ׃ وهل ترضين ذلك ؟ قلت لا . قال إنهم لا يستطيعون لأنفسهم ضررا ولا نفعا ... إن الأعمار بيد الله وهم لا يستطيعون التحكم في حياتي ولا يستطيعون إطالة الأعمار ولا تقصيرها.. كل ذلك بيد الله والله من ورائهم محيط...
..وبعد أيام سمعنا عن تنفيذ الحكم وقد ضرب أفراد من الجيش اعتمروا الخوذات الفولاذية وتزودوا بالرشاشات الثقيلة حصارا حول سجن القاهرة حيث تم تنفيذ حكم الإعدام بعد أن منع الصحفيون من دخول السجن وطلب منهم مغادرة المنطقة... أما من ناحية الدفن فإنه قد تم من قبل السلطات الرسمية وبصورة سرية في إحدى مدافن القاهرة

شاهد يروي

الأستاذ سيد قطب في طريقه الى المحكمة
إن في بذل العلماء والدعاة والمصلحين أنفسهم في سبيل الله حياة للناس ، إذا علموا صدقهم ؛ وإخلاصهم لله عز وجل .
ومن هؤلاء الدعاة والمفكرين.. "سيد قطب" رحمه الله ، فقد كان لمقتله أثر بالغ في نفوس من عرفوه وعلموا صدقه ، ومنهم اثنان من الجنود الذين كلفوا بحراسته وحضروا إعدامه .
يروي أحدهما القصة فيقول :
هناك أشياء لم نكن نتصورها هي التي أدخلت التغيير الكلي على حياتنا..
في السجن الحربي كنا نستقبل كل ليلة أفرادا أو جماعات من الشيوخ والشبان والنساء ، ويقال لنا : هؤلاء من الخونة الذين يتعاونون مع اليهود ولابد من استخلاص أسرارهم ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأشد العذاب ، وكان ذلك كافيا لتمزيق لحومهم بأنواع السياط والعصي ، كنا نفعل ذلك ونحن موقنون أننا نؤدي واجبا مقدسا ، إلا أننا ما لبثنا أن وجدنا أنفسنا أمام أشياء لم نستطع لها تفسيرا ، لقد رأينا هؤلاء " الخونة " مواظبين على الصلاة أثناء الليل وتكاد ألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله ، حتى عند البلاء !
بل إن بعضهم كان يموت تحت وقع السياط ، أو أثناء هجوم الكلاب الضارية عليهم ، وهم مبتسمون ومستمرون على الذكر .ومن هنا.. بدأ الشك يتسرب إلى نفوسنا.. فلا يعقل أن يكون مثل هؤلاء المؤمنين الذاكرين من الخائنين المتعاملين مع أعداء الله .
واتفقت أنا وأخي هذا سرا على أن نتجنب إيذاءهم ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ، وأن نقدم لهم كل ما نستطيع من العون .
ومن فضل الله علينا أن وجودنا في ذلك السجن لم يستمر طويلا.. وكان آخر ما كلفنا به من عمل هو حراسة الزنزانة التي أفرد فيها أحدهم ، وقد وصفوه لنا بأنه أخطرهم جميعا ، أو أنه رأسهم المفكر وقائدهم المدبر (هو سيد قطب رحمه الله) .
وكان قد بلغ به التعذيب إلى حد لم يعد قادرا معه على النهوض ، فكانوا يحملونه إلى المحكمة العسكرية التي تنظر في قضيته .
الإعدام
وذات ليلة جاءت الأوامر بإعداده للمشنقة ، وأدخلوا عليه أحد الشيوخ !! ليذكره ويعظه !! وفي ساعة مبكرة من الصباح التالي أخذت أنا وأخي بذراعيه نقوده إلى السيارة المغلقة التي سبقنا إليها بعض المحكومين الآخرين.. وخلال لحظات انطلقت بنا إلى مكان الإعدام.. ومن خلفنا بعض السيارات العسكرية تحمل الجنود المدججين بالسلاح للحفاظ عليهم..
وفي لمح البصر أخذ كل جندي مكانه المرسوم محتضنا مسدسه الرشاش ، وكان المسئولون هناك قد هيئوا كل شئ.. فأقاموا من المشانق مثل عدد المحكومين.. وسيق كل مهم إلى مشنقته المحددة ، ثم لف حبلها حول عنقه ، وانتصب بجانب كل واحدة " العشماوي " الذي ينتظر الإشارة لإزاحة اللوح من تحت قدمي المحكوم.. ووقف تحت كل راية سوداء الجندي المكلف برفعها لحظة التنفيذ .
كان أهيب ما هنالك تلك الكلمات التي جعل يوجهها كل من هؤلاء المهيئين للموت إلى إخوانه ، يبشره بالتلاقي في جنة الخلد ، مع محمد وأصحابه ، ويختم كل عبارة بالصيحة المؤثرة : الله أكبر ولله الحمد .
وفي هذه اللحظات الرهيبة سمعنا هدير سيارة تقترب ، ثم لم تلبث أن سكت محركها ، وفتحت البوابة المحروسة ، ليندفع من خلالها ضابط من ذوي الرتب العالية ، وهو يصيح بالجلادين : مكانكم !
صمود الداعية




الأستاذ سيد قطب في المعتقل قبل إعدامه
ثم تقدم نحو صاحبنا الذي لم نزل إلى جواره على جانبي المشنقة ، وبعد أن أمر الضابط بإزالة الرباط عن عينيه ، ورفع الحبل عن عنقه ، جعل يكلمه بصوت مرتعش :
يا أخي.. يا سيد.. إني قادم إليك بهدية الحياة من الرئيس – الحليم الرحيم !!! – كلمة واحدة تذيلها بتوقيعك ، ثم تطلب ما تشاء لك ولإخوانك هؤلاء .
ولم ينتظر الجواب ، وفتح الكراس الذي بيده وهو يقول : اكتب يا أخي هذه العبارة فقط : " لقد كنت مخطئا وإني أعتذر ... " .
ورفع سيد عينيه الصافيتين ، وقد غمرت وجهه ابتسامة لا قدرة لنا على وصفها.. وقال للضابط في هدوء عجيب : أبدا.. لن أشتري الحياة الزائلة بكذبة لن تزول !
قال الضابط بلهجة يمازجها الحزن : ولكنه الموت يا سيد...
وأجاب سيد : " يا مرحب بالموت في سبيل الله .. " ، الله أكبر !! هكذا تكون العزة الإيمانية ، ولم يبق مجال للاستمرار في الحوار ، فأشار الضابط بوجوب التنفيذ .
إرتقاء الروح
وسرعان ما تأرجح جسد سيد رحمه الله وإخوانه في الهواء.. وعلى لسان كل منهم الكلمة التي لا نستطيع لها نسيانا ، ولم نشعر بمثل وقعها في غير ذلك الموقف ، " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .. "

.
في ظلال القرآن .. تجربة رجل

لعل من ابرز بركات الصحوة الإسلامية المعاصرة إلى جانب فضلها ودورها الريادي في رفع الغبن عن الذاتية الإسلامية أنها أعادت الاعتبار لكتاب الله كدستور خالد لهذه الأمة وكمنهاج عامل وفاعل وشامل للحياة الإسلامية المنشودة. (1)
وقد كان هذا القرآن الكريم كذلك في عصر التنزيل وما بعده في أيام الراشدين والتابعين إلا أن الأعاصير التي انطلق هديرها منذ "صفين" قويا مدمرا قد أحدثت شروخا وجروحا حادة في العقل المسلم والحياة الإسلامية بصفة عامة وكان لها الدور البارز والمؤثر في تمييع الرابطة المقدسة والمتينة بين المسلمين وكتابهم المنزل وكذلك في تبليد الفهم وتجميد الوعي المطلوب والضروري للإبقاء على الوصال المقدس بين المسلم ودستوره الخالد. (2)
ولولا قوة المسك لهذا الكتاب وألوهية الحفظ له لضاع في أتون الصراعات والغارات التي حلت بالأمة الشاهدة وهذا فضل من المولى ونعمة على الإسلاميين تدبرها والتشمير الجاد لأداء شكرها.. (3)
ولقد زامل القرآن العظيم أجيال المسلمين المختلفة منذ أربعة عشر قرنا ولا يزال فحفظه كثيرون عن ظهر قلب وبرع في ترتيله كثيرون وعكف على تفسير آياته كثيرون ونسخه بخط اليد كثيرون وكتبه بماء الذهب كثيرون...
ولكن قليلون هم الذين جربوا الحياة في ظلال هذا القرآن الحياة بكل ما في هذه الكلمة من معنى ذلك أننا عرفنا كثيرا ممن حفظوا هذا القرآن الكريم حفظ الخزن فهم يرددونه صباح مساء في خوف من تحريف حركاته أو سهو في ترتيب آياته وسوره ... فتعيه ذاكرتهم ولا تعيه قلوبهم...وهذه ليست حياة ولا تجربة حياة في ظلال هذا القرآن و إن كانت ولابد فهي في تقديري جافة كل الجفاف وباهتة كل البهت وساكنة كل السكون. (4)



الأستاذ سيد قطب
إن الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه ... والحمد لله . لقد منّ عليّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي . ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر فتباركه وتزكيه لقد عشت اسمع الله سبحانه . يتحدّث إلي بهذا القرآن أنا العبد القليل الصغير ... أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل ..أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل.. أي مقام جليل يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم ؟
وعشت في ظلال القرآن انظر من علوّ إلى الجاهلية التي تموج في الأرض والى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة ... انظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال واهتمامات الأطفال... كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال ومحاولات الأطفال ولثقة الأطفال واعجب.. ما بال هذا الناس ؟؟ ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئية ولا يسمعون النداء العلوي الجليل .. النداء العلوي الذي يرفع العمر ويزكيه.
غاية الوجود الإنساني وحركة الإنسان
في ظلال القرآن عشت أتملى ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود... لغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية في شرق وغرب وفي شمال وجنوب ... وأسأل كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن وفي الدرك الهابط وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتفع الزكي وذلك المرتقى العالي وذلك النور الوضيء ؟
وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله وحركة هذا الكون كما أبدعه الله ثم انظر فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملى عينا وبين فطرتنا التي فطرنا الله عليها وأقول في نفسي أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم .. يا حسرة على العباد...
وعشت في ظلال القرآن أرى الوجود اكبر بكثير من ظاهره المشهود. اكبر في حقيقته واكبر في تعدد جوانبه . أنه عالم الغيب والشهادة لا عالم الشهادة وحده. وأنه الدنيا والآخرة لا هذه الدنيا وحدها والنشأة الإنسانية ممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول والموت ليس نهاية الرحلة وإنما هو مرحلة في الطريق وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله.
إنما هو قسط من ذلك النصيب وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك فلا ظلم ولا نجس ولا ضياع . على أن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هي رحلة حيّ مأنوس وعالم صديق ودود . كون ذي روح تتلقى وتستجيب وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) ..( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن و إن من شيء إلا يسبح بحمده) أي راحة وأي سعة وأي أنس وأي ثقة يفيضها هذا التصور الشامل الكامل الفسيح الصحيح ؟؟
المؤمن .. من ذلك الموكب الكريم





الأستاذ سيد قطب

في ظلال القرآن عشت أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد. إنه إنسان بنفخة من روح الله (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض (وسخر لكم ما في الأرض جميعا)
ولأن الإنسان بهذا القدر من الكرامة والعلو جعل الله الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة من النفخة الإلهية الكريمة.. جعلها آصرة العقيدة في الله. فعقيدة المؤمن هي وطنه وهي قومه وهي أهله ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها لا على أمثال ما يتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج..
والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان انه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم ׃ نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ( و إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) هذا الموكب الكريم الممتد في شعاب الزمان من قديم يواجه كما يتجلى في ظلال القرآن مواقف متشابهة وأزمات متشابهة وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكرّ الدهور وتغيّر الزمان وتعدد الأقوام يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى والاضطهاد والبغي والتهديد والتشريد
ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو مطمئن الضمير واثقا من نصر الله متعلقا بالرجاء فيه متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من لرضنا أو لتعودنّ في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكنّ الظالمين ولنسكنّنكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيدي) موقف واحد وتجربة واحدة وتهديد واحد ويقين واحد ووعد واحد للموكب الكريم... وعافية واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد.
استشعار الهدوء النفسي .. الاطمئنان إلى رحمة الله
في ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ولا للفلتة العارضة (إنا كل شيء خلقناه بقدر) .. (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) وكل أمر بحكمة ولكن حكمة الغيب العميقة قد لا تنكشف للنظرة الإنسانية القصيرة (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) ..(وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون) .
والأسباب التي تعارف عليها الناس قد تتبعها آثارها وقد لا تتبعها والمقدمات التي يراها الناس حتمية قد تعقبها نتائجها وقد لا تعقبها . ذلك انه ليست الأسباب والمقدمات هي التي تنشئ الآثار والنتائج وإنما هي الإرادة الطليقة التي تنشئ لاثار والنتائج كما تنتج الأسباب والمقدمات سواء (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) .. (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
والمؤمن يأخذ بالأسباب لأنه مأمور بالأخذ بها والله هو الذي يقدر آثارها ونتائجها والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وحكمته وعلمه هو وحده الملاذ الامين والنجوة من الهواجس والوساوس (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم). ومن ثم عشت في ظلال القرآن هادئ النفس مطمئن السريرة قرير الضمير. عشت أرى يد الله في كل حادث وفي كل أمر .
عشت في كنف الله وفي رعايته. عشت استشعر إيجابية صفاته تعالى وفاعليتها (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) .(وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير). (والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون).( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) .(فعّال لما يريد)... إن الوجود ليس متروكا لقوانين آلية صماء عمياء فهناك دائما وراء السنن الإرادة المدبرة والمشيئة المطلقة والله يخلق ما يشاء ويختار..
كذلك تعلمت أن يد الله تعمل ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة وانه ليس لنا أن نستعجلها ولا أن نقترح على الله شيئا فالمنهج الإلهي موضوع ليعمل في كل بيئة وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية وفي كل حالة من حالات النفس البشرية الواحدة وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض أخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته وقوته وضعفه وحالاته المتغيرة التي تعتريه .
إن ظنّه لا يسوء بهذا الكائن فيحتقر دوره في الأرض أو يهدر قيمته في صورة من صور حياته سواء وهو فرد أو وهو عضو في جماعة. كذلك هو لا يهيم مع الخيال فيرفع هذا الكائن فوق قدرته وفوق طاقته وفوق مهمته التي أنشأه الله لها يوم أنشأه ولا يفترض في كلتا الحالتين أن مقومات فطرته سطحية تنشأ بقانون أو تكشط بجرّة قلم.
الإنسان... والارتفاع إلى الكمال



الأستاذ سيد قطب
الإنسان هو هذا الكائن بعينه بفطرته وميوله واستعداداته يأخذ المنهج الإلهي بيده ليرتفع به إلى أقصى درجات الكمال المقدر له حسب تكوينه ووظيفته ويحترم ذاته وفطرته ومقوماته وهو يقوده في طريق الكمال الصاعد إلى الله ومن ثم فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل الذي يعلمه خالق هذا الإنسان ومنزل هذا القرآن ومن ثم لم يكن متعسفا ولا عجولا في تحقيق غاياته العليا من هذا المنهج.
إن المدى أمامه ممتد فسيح لا يحده عمر فرد ولا تستحثه رغبة فان يخشى أن يعجله الموت عن تحقيق غايته البعيدة . كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصرون على الخطو المتزّن .
وفي الطريق العسوف التي يسلكونها تقوم المجازر وتسيل الدماء وتتحطم القيم وتضطرب الأمور ثم يتحطمون هم في النهاية وتتحطم مذاهبهم المصطنعة تحت مطارق الفطرة التي لا تصمد لها المذاهب المتعسفة.. فأما الإسلام فيسير هيّنا ليّنا مع الفطرة يدفعها من هنا ويردعها من هناك ويقوّمها حين تميل ولكنه لا يكسّرها ولا يحطّمها انه يصبر عليها صبر العارف البصير الواثق من الغاية المرسومة والذي لا يتم في هذه الجولة يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو المائة أو الألف.
فالزّمن ممتد والغاية واضحة والطريق إلى الهدف الكبير طويل وكما تنبت الشجرة الباسقة وتضرب بجذورها في التربة وتتطاول فروعها وتتشابك . كذلك ينبت الإسلام ويمتد في بطء وعلى هيّنة وفي طمأنينة ثم يكون دائما ما أراده الله أن يكون ... والزرعة قد تسقى عليها الرمال وقد يأكل بعضها الدود وقد يحرقها الظمأ وقد يغرقها الري..
ولكن الزارع البصير يعلم أنها رزعة للبقاء والنماء وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل فلا يعتسف ولا يقلق ولا يحاول إنضاجها بغير وسائل الفطرة الهادئة المتزنة السمحة الودود.. انه المنهج الإلهي في الوجود كله (ولن تجد لسنّة الله تبديلا).
أصالة الحق في هذا المنهج
والحق في منهج الله أصيل في بناء هذا الوجود ليس فلتة عابرة ولا مصادفة غير مقصودة . إن الله سبحانه هو الحق ومن وجوده تعالى يستمد كل موجود وجوده (ذلك بأن الله هو الحق و أن ما تدعون من دونه هو الباطل و أن الله هو العلي الكبير) وقد خلق الله هذا الكون بالحق لا يتلبس بخلقه الباطل (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) .
(ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) والحق هو قوام هذا الوجود فإذا حاد عنه فسد وهلك ( ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) ومن ثم فلا بد للحق أن يظهر ولا بد للباطل أن يزهق ومهما تكن الظواهر غير هذا فإن مصيرها إلى تكشف صريح (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) والخير والصلاح والإحسان أصيلة كالحق باقية بقاءه في الأرض .
لا صلاح إلا في الرجوع إليه
انتهيت من فترة الحياة في ظلال القرآن إلى يقين جازم حاسم.. انه لا صلاح لهذه الأرض ولا راحة لهذه البشرية ولا طمأنينة لهذا الإنسان ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله.
والرجوع إلى الله .. له صورة واحدة وطريق واحد. واحد لا سواه . انه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم .. انه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها والتحاكم إليه وحده في شؤونها وإلا فهو الفساد في الأرض والشقاوة للناس والارتكاس في الحمأة والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون الهوى ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله . إن الله لا يهدي القوم الظالمين )
صورة: إيمان أو لا إيمان


الأستاذ سيد قطب تحت الحراسة
إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس تطوعا ولا نافلة ولا موضع اختيار إنما هو الإيمان أو فلا إيمان (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فالأمر إذن جدّ . انه أمر العقيدة من أساسها. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها.
إن هذه البشرية وهي من صنع الله لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتح من صنع الله ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يديه سبحانه وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق وشفاء كل دواء. (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) . ( إن هذا القرآن ليهدي للتي هي أقوم).
ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه ولا تسلك في أمر نفسها وفي أمر إنسانيتها وفي أمر سعادتها أو شقائها ما تعودت أن تسلكه من أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة.
وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع هذا الجهاز ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه فترده إلى المصنع الذي منه خرج ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب. الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه و أنشأه (انه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)
اصل الشقوة العامة
ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة البشرية المسكينة البشرية التي لن تجد الرشد ولن تجد الهدى ولن تجد الراحة ولن تجد السعادة إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير كما ترد الزهيد إلى صانعه الصغير.
ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها ونكبة قاصمة في حياتها . نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألمّ بها من نكبات. لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض فأسنت الحياة وتعفّنت القيادات وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)
تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن وبالشريعة المستمدة من هذا التصور. فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان اعظم ف حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته .
لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا.كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور قبل أن ينشأه لها القرآن إنشاء .. نعم..
لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال والعظمة والارتفاع والبساطة واليسر والواقعية والإيجابية والتوازن والتناسق .. بحيث لا يخطر للبشرية على بال . لولا أن الله أراده لها وحققه في حياتها في ظلال القرآن ومنهج القرآن وشريعة القرآن.
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة ونحيّ الإسلام عن القيادة . نحيّ عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى في صورة من صورها الكثيرة . صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان.
عصابة المضللّين
إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ثم يقولون لها اختاري.. اختاري إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله وهذا اخداع لئيم خبيث فوضع المسألة ليس هكذا أبدا.
إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني إنما هو مشرّع لهذا الإبداع وموجّه له الوجهة الصحيحة ذلك لكي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض هذا المقام الذي منحه الله له وأقدره عليه ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه وسخر له من القوانين الكنية ما يعينه على تحقيقه ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام والتقيد بشرطه في عقد الخلافة
وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله فأما أولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى فهم سيّئو النية شرّيرون يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح و أن تؤوب من المتاهة المهلكة و أن تطمئن إلى كنف الله.
وهناك آخرون لا ينقصهم حسن النية ولكن ينقصهم الوعي الشامل والإدراك العميق هؤلاء يبهرهم ما كشفه الإنسان من القوى والقوانين الطبيعية وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة فيفصل ذلك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا وللقيم الإيمانية مجالا آخر ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غير متأثرة بالقيم الإيمانية وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا ابتغوا منهج الله أم خالفوا عنه حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس.
هذا وهم .. انه فصل بين نوعين من السنن الإلهية هما في حقيقتهما غير منفصلين فهذه القيم الإيمانية هي بعض سنن الله في الكون كالقوانين الطبيعية سواء بسواء ونتائجها مرتبطة ومتداخلة ولا مبررّ للفصل بينهما في حسّ المؤمن وفي تصوره.
التصور الصحيح


الأستاذ سيد قطب في قفص الإتهام
وهذا هو التصور الصحيح الذي ينشئه القرآن في النفس حين تعيش في ظلال القرآن ينشئه وهو يتحدث عن أهل الكتب السابقة وانحرافهم عنها واثر هذا الانحراف في نهاية المطاف.
(ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنّات النعيم ولو انهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) وينشئه وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه ( فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا) وينشئه وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
إن الإيمان بالله وعبادته على استقامة وإقرار شريعته في الأرض كلها إنفاذ لسنن الله وهي سنن إيجابية نابعة من ذات المنبع الذي تنبثق منه سائر السنن الكونية التي نرى آثارها الواقعية بالحسّ والاختبار. في غياب هذا التصور
... لقد تأخذنا في بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الكونية حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية. هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق ولكنها تظهر حتما في نهايته وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه .
لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية في حياته مع القيم الإيمانية وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقهما . وظل يهبط ويهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا.
وفي الطريق الآخر تقف الحضارة المادية اليوم كالطائر الذي يرف بجناح واحد جبار بينما جناحه الآخر مهيض فيرتقي في الإبداع المادي بقدر ما يرتكس في المعنى الإنساني ويعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية ما يصرخ منه العقلاء هناك. لولا انهم لا يهتدون إلى منهج الله وهو وحده العلاج والدواء.
الشريعة والإنسان وبناء المجتمع
إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون فإنقاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثره الإيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون .
والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير اصلها الكبير فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الكبير وللوجود الإنساني
ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير ونظافة في الشعور وضخامة في الاهتمامات ورفعة في الخلق واستقامة في السلوك وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه القوانين الطبيعية وما نسميه القيم الإيمانية فكلها أطراف من سنة الله الشاملة لهذا الوجود. والإنسان كذلك قوة من قوى الوجود وعمله وإرادته وإيمانه وصلاحه ونشاطه .
هي كذلك قوى ذات آثار إيجابية في هذا الوجود . وهي مرتبطة بسنة الله الشاملة لهذا الوجود و كلها تعمل متناسقة وتعطي ثمارها كاملة حين تتجمع وتتناسق بينما تفسد آثارها وتضطرب وتفسد الحياة معها وتتشتت الشقوة بين الناس والتعاسة حين تفترق وتتصادم .
(ذلك بأن الله لم يك مغيّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فالارتباط قائم وثيق بين عمل الإنسان وشعوره وبين مجريات الأحداث في نطاق السنة الإلهية الشاملة للجميع ولا يوحي تمزيق هذا الارتباط ولا يدعو إلى الإخلال بهذا التناسق ولا يحول بين الناس وسنة الله الجارية إلا عدو للبشرية يطاردها دون هدى وينبغي لها أن تطارده وتقصيه من طريقها إلى ربها الكريم

عندما سمع المفكّر الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي نبأ إعدامه بكى وقال: إن هذه الشهادة ليست شهادة الأفراد، وإنها ليست هدراً للدماء، وعبثاً بالحقوق البشريّة والكرامة الإنسانيّة فحسب، وإنها ليست همجيّة وعداءاً سافراً للإسلام فحسب، بل إنها خسارة فادحة للدعوة الإسلاميّة والعلم والأدب، والدراسة والبحث والنقد، ومأساة علميّة ضخمة.
وقال: إن سيد من أولئك الأفذاذ الذين يسعد بهم العالم الإسلامي، وهو من الطراز الأوّل، من صفوة الدعاة ورجال الفكر والأدب الذين تحظى بهم الأمم. وقال الزعيم المغربي علال الفاسي: إن قضيّة سيّد قطب هي قضية داعية مسلم تتشح الرؤية وتستقيم أمام ناظريه، ويعرف السبيل إلى قلوب الناس بعد أن ثبت نور الإيمان في قلبه، واستقامت معالم الفهم في ذهنه، واستحال الإيمان والفهم والتطبيق في دنيا الواقع، وسطر الكلمة لتشق سبيلها ممهّداً إلى مجالها في القلوب والأذهان والنفوس.
ورثاه قائلا:
اترك الحزن والألــم
واحبس الدمع كالنعم
استوى الخطب عندنـا
وسوى الخطب إذ ألم
أي أمر يروعنــــا
بـعد سيل من الأزم
وتحدّث الشيخ محمد الفاضل بن عاشور لأحد محرّري (تونس أفريقيا للأنباء) فقال:
إنّ تنفيذ الحكم بالإعدام على سيّد قطب يعتبره الموقنون بحقيقة جهاده الإسلامي تتويجاً لحياته الماجدة، لأن الشهادة في سبيل الله هي أقصى ما يتطلّع إليه أصحاب النفوس الإسلاميذة المؤمنة المطمئّنة، ولذلك فإن موت سيّد قطب أفرحنا وأحزننا: أفرحنا بما رزقه الله من مقام الشهادة، ونرجو الله أن يجزيه أجر العاملين المستشهدين في سبيله، وأحزننا للفراغ العظيم الذي يتركه في محيط الفكر الإسلامي.
وقال الدكتور عبد الصبور شاهين في مقدمة كتاب (عبقري الإسلام سيّد قطب) تمنيت أن يعيش العبقري سيّد قطب ظروف الحرية والتكريم، وأن تجد الدعوة طريقها إلى بناء المجتمع الصالح، وإنشاء الدولة الإسلاميّة دون هذا البحر من الدماء الذي يراق على أيدي من يدّعون الإسلام زوراً وبهتاناً.
وقال: إنّ ما واجهه سيّد من اضطهاد حاقد مجنون، لم يثنه عن تقديم ما قدّمه من بيان وتأصيل وتنظير إلى الأمة.
فقد كان رجلا سامي القيمة متعدّد نواحي العظمة، فهو زيادة على كونه مجاهداً كاملاً في قضيّة الإسلام، كان إلى جانب ذلك شاعراً، وكاتباً خيالياً، وقصصياً، وناقداً أدبياً، وحكيماً إسلامياً وباحثاً في الثقافة والاجتماع، ودارساً قرآنياً.
كتبت في سيرته عشرات الكتب والدراسات منها:
رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيّد قطب ، ليوسف العظم
عبقري الإسلام سيّد قطب ، لسيد بشير أحمد كشميري
سيد قطب الأديب الناقد ، لعبد الله الخبّاص
سيّد قطب الشهيد الحي ، لصلاح الخالدي
نظريّة التصوير الفني عند سيّد قطب ، لصلاح الخالدي
سيّد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد ، لصلاح الخالدي
أمريكا من الداخل بمنظار سيّد قطب ، لصلاح خالدي أيضاً
سيّد قطب بين العاطفة والموضوعية ، لسالم البهنساوي
سيّد قطب أو ثورة الفكر الإسلامي ، لمحمد علي قطب
مع سيّد قطب في فكره السياسي والديني ، لمهدي فضل الله
سيد قطب من القرية إلى المشنقة ، لعادل حموده
سيد قطب: الخطاب والأيديولجيا ، لمحمد حافظ دياب
سيّد قطب والأصوليّة الإسلاميّة ، لشريف يونس
سيّد قطب حياته وأدبه ، لعبد الباقي محمد حسن
سيد قطب ومنهجه في التفسير ، لإسماعيل الحاج أمين
التيار الإسلامي في أدب سيّد قطب ، لحسيني علي رضوان
المنهج الفني في النقد عند سيذد قطب ، لمحمد أديب عبد الرحمن
سيد قطب ، لأحمد البدوي
فلسطين في فكر سيّد قطب وأدبه ، لأحمد الجدع
أعراس الشهادة وهي مسرحيّة شعرية كتبها محمد المنتصر الرسيوني في محنة الشهيد سيد قطب.
إعدام سيد قطب




مذبحة الاخوان المسلمين في ليمان طره 1/6/1957

بعد انتهاء محاكمات محكمة الشعب الهزلية عام 1954م.. أُدخل الإخوان السجون والمعتقلات المنتشرة في أنحاء القطر المصري.. وكان عدد هؤلاء الإخوان يقرب من ألف فرد صدرت عليهم أحكام بالسجن تتراوح بين خمسة سنوات إلى 25 سنة أشغال شاقة مؤبدة.
وفي السجون لاقى الإخوان أهوالاً من التعذيب والاضطهاد والتضييق والحرب النفسية التي شُنَّت عليهم؛ بهدف القضاء على دعوة الإخوان في نفوسهم، وصرفهم عنها بكل وسيلة، وتحويلهم إلى أفراد تابعين للنظام القائم وخاضعين له.
وكان (ليمان طرة) أحد تلك السجون التي دخلها الإخوان في سبيل دعوتهم وفكرتهم.. وكان به ما يقرب من (183) أخًا معظمهم من الشبان صغار السن، من طلاب المدارس الثانوية والجامعات الذين كان للشهيد محمد يوسف هواش فضلَ تجميعهم وتنظيمهم بعد أحداث 1954م أثناء فترة هربه. كما كان يوجد بالسجن بعض الإخوان القدامى من الرعيل الأول كالحاج أحمد البس، والذي كان محكومًا عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.
كما كان من نزلاء السجن أيضًا من الإخوان الشيخ حسن أيوب، والأستاذ حسن دوح، وفي مستشفى الليمان كان يوجد الشهيد سيد قطب، والشهيد محمد يوسف هواش.
وكان يتولى مسئولية الإخوان داخل الليمان الحاج أحمد البسّ، ويعاونه ستة من الإخوان هم (الشيخ حسن أيوب، الأخ حسن دوح، عبد الحميد خطاب، أحمد حامد قرقر، عبد الرازق أمان الدين، عبد الحليم حسين).
وكان من تكاليف الإخوان في الليمان الخروج يوميًا للجبل لتكسير الحجارة ونقلها.. حسب كمية معينة مطلوبة منهم تتراوح بين (40- 80) متر مكعب يوميًا.
وكان يقوم على إدارة الليمان مجموعة من أسوأ الضباط.. كانت تحمل للإخوان حقدًا وكراهية شديدة منهم (عبدالعال سلومة، عبدالله ماهر، عبداللطيف رشدي)، وكان مدير الليمان في ذلك الوقت اللواء سيد والي الذي قاد المذبحة بعد ذلك
افتُعلت مجموعة من الأحداث كانت بمثابة استفزازات للإخوان حتى يوجد المبرر لتنفيذ المذبحة:
- أول هذه الاستفزازات كانت في يوم الأربعاء 22/5/1957م، مُنع الإخوان من صلاة الجماعة في فناء عنبرهم بصورة استفزازية، ثم مُنعت صلاة الجماعة في الأدوار الخاصة للإخوان، ثم مُنعت صلاة الجماعة داخل الزنازين بنفس الصورة.
- وفي يوم الخميس 23/5/1957م مُنع لعب الكرة الذي كان مرخصًا به بنفس الطريقة.
- وفي يوم الجمعة 24/5 ظلَّت الزنازين مغلقة على الإخوان حتى صلاة الجمعة.
- وفي يوم السبت 25/5 حدثت مشادة بين الضابط "عبد العال سلومة" وثلاثة من الإخوان دون داعٍ سوى الاستفزاز.
- وفي يوم الأحد 26/5 قال هذا الضابط نفسه مهددًا بتصريحات غريبة (فيه أوامر عالية بجر الإخوان لمعركة نخلص فيها على ثلاثين.. أربعين..)، وكرر هذه التصريحات بصورة مستفزة.
- وفي يوم الأربعاء 29/5: أثناء إحدى الزيارات لعدد من إخوان شبرا، أخرجت إحدى الأخوات "دجاجة" وأعطتها لأخيها الأخ: عبد الغفار السيد، فثارت ثائرة الضابط عبد الله ماهر وصرخ بصوت مستفز "ممنوع أخذ أي شيء من الزوار"، وأنهى الزيارة.. ووضع القيد الحديدي من الخلف في يد كل أخ من الذين كانوا في الزيارة، وأرسلهم إلى زنازين التأديب وأُرسل أهاليهم إلى قسم شرطة طرة، واتُهموا بإحداث شغب أثناء الزيارة.
- وفي يوم الخميس 30/5 مُنعت الزيارات الخاصة بالإخوان بدون مبرر.
- وفي يوم الجمعة 31/5 أغلقت الزنازين حتى الصلاة، وفي المساء أخرجوا الإخوان الموجودين في مستشفى الليمان، وأعادوهم إلى العنابر، ونبهوا على الجميع بضرورة الخروج للجبل في اليوم التالي: السبت.
في يوم السبت 1/6 والذي حدثت فيه المذبحة.. كان تفصيل الأحداث كالتالي:
"رأى الإخوان أن يتخلصوا من هذه الحالة التي لا تراعي فيها الإدارة أي قانون من قوانين السجون فكتبوا طلبًا للإدارة.. لطلب النيابة للتحقيق فيما يجري معهم، وحددوا ما يطلبون باعتبارهم مسجونين سياسيين على أكثر تقدير.. وسُلِّمت شكاوى بهذا المعنى لكاتب العنبر لتأخذ خط سيرها الروتيني.. وانتظر الإخوان داخل الزنازين حتى العاشرة صباحًا.
ثم طلبت الإدارة أربعة منهم (أحمد البس، عبدالرازق أمان الدين، حسن دوح، عبدالحميد خطاب)، وأدخلوهم حجرة وكيل العنبر، فوجدوا مدير الليمان وحوله الضباط، وبيد كل واحد منهم مسدسه، وبعد فترة من الحديث ذهب مدير الليمان إلى مكتبه ومعه الضباط وتركوا الإخوان الأربعة في حراسة بعض الجنود.
وبعد فترة ليست طويلة فوجئ الإخوان بإحضار عدد من السلاسل الحديدية، وبدأوا في سلسلة الإخوان فيها، ثم أخذوا يفتحون الزنازين فيخرج من كل زنزانة ثلاثة من الإخوان يُفتشون ثم يُسلسلون في السلسلة، وهكذا حتى تَمَّ سلسلة خمسة عشر أخًا، وعلى أثر إهانة أحد الضباط لأحد الإخوان، رفض هؤلاء عملية السلسلة هذه، وصعدوا إلى الدور الثالث من العنبر؛ حيث كان يقيد الإخوان وأبواب الزنازين مغلقة عليهم، فاختطف أحدهم- "الشهيد علي حمزة"- المفتاح من الجاويش، وفتح جميع الزنازين، وخرج الإخوان.
وهنا فشلت الخطة التي دبرتها إدارة السجن لإخراج الإخوان بالسلاسل إلى الجبل ثم ضربهم هناك بدعوى قيامهم بالتمرد ومحاولة الهروب، ففكرت الإدارة في خطة أخرى نُفذت بعد ساعتين من فشل الخطة الأولى، وعند صلاة الظهر أُغلقت جميع زنازين الليمان.. ما عدا زنازين الإخوان.. الذين بدأوا الاستعداد لصلاة الظهر.
وفجأة دخلت الكتيبة العنبر، وصعد عدد منهم إلى الدور الرابع الذي يعلو الدور الثالث الذي يسكن فيه الإخوان.. ومن الدور الأول أطلق أحد الضباط طلقة كانت بمثابة إشارة البدء في المذبحة فصاح أحد الإخوان: "فشنك"، ولكن توالى إطلاق النار وسقط بعض الإخوان مضرجين في دمائهم.. وعندئذ صاح أحدهم: "الضرب في المليان يا إخوان.. ادخلوا زنازينكم.. وأغلقوا الأبواب عليكم"، فأسرع الإخوان إلى داخل الزنازين وأغلقوا الأبواب عليهم، واستطاع بعضهم أن يسمكر الأبواب عليهم.
وعندما دخل الإخوان الزنازين صعد بعض الضباط ومعهم جاويش، فكان الجاويش يفتح باب الزنزانة فيدخل الضابط فيطلق النار على مَن فيها بمسدسه، أما الزنزانة المغلقة فيضع في فتحة الزنزانة فوهة مسدسه ويطلق النار على مَن بداخلها، واستمر إطلاق النار ساعة أو أقل قليلاً، بعدها خيم صمت رهيب على الليمان، والجميع في ذهول، واستمر هذا الصمت الرهيب والإخوان في ذهولهم.. بين قتيل مضرج في دمائه.. ومصاب جرحه ينزف.. وثالث ذهب عقله.. ورابع لا يدري هل هو ميت أو حي!!.
وبعد توقف الضرب فتح باب المخزن، وهجمت قوة من الضباط والعساكر على مَن فيه، وأطلقوا عليهم الرصاص، وأجهزوا على الجرحى والمرضى منهم بالشوم، ثم انطلقوا إلى المخزن الآخر، ولكن بابه قد أغلق بفعل رصاصة سمكرت الباب، فذهبوا إلى الزنزانة المجاورة للمخزن الثاني، وأجهزوا على كل مَن كان فيها، ثم صدرت إليهم الأوامر بالانسحاب.
وبقيت هذه الحالة حتى جاء الليل.. وبدأت حركة داخل العنبر بدخول الحراس وفي أيديهم الشموع؛ يبحثون عن حصاد المذبحة.. وكان الحصاد 16 قتيلاً.. و22 جريحًا.
ووقف الحراس والضباط في الطريق الموصل إلى المستشفى يجهزون على المصابين ضربًا بالعصي الغليظة؛ حتى انضم عدد من الجرحى إلى القتلى.. فأصبح عدد القتلى (21) قتيلاً، واتجه تفكير إدارة السجن إلى تفسير الحادث على أنه اشتباك بين الإخوان بعضهم البعض وأن بعضهم قتل البعض الآخر بالسكاكين..
وبناءً على ذلك أخذوا يوسعون مكان الطلقات حتى تكون كالطعن بالسكين، ثم أرادوا أن يصوروا الحادث على أنه اعتداء من الإخوان على الحراس.. ولكن لم يكن بين الحراس حارسًا واحدًا مصابًا.
ولذلك لم يستسغ وكلاء النيابة أيًّا من هذين التفسيرين.. مما اضطر المسئولون إلى استبدال وكلاء النيابة بضباط مباحث تنكروا في هيئة وكلاء نيابة، وحفظوا التحقيق في المذبحة.
وبعد ذلك دخل على المحققين "صلاح الدسوقي"، الذي كان يعمل وقتها أركان حرب وزارة الداخلية، وقال موجهًا حديثه لمدير الليمان سيد والي: "برافوا يا أبو السيد.. أنا كنت متأكد إن مفيش حد يقدر يقوم بهذا الأمر إلا أنت.. أنتم ماخلصتوش عليهم ليه؟!"، فاطمأن الضباط وعلت وجوههم الابتسامات.
وقد فسر الضابط "أحمد صالح داود" ضابط المباحث العامة والذي حضر المذبحة لأحد الإخوان (الأخ محمد الشيخ) أسباب المذبحة بقوله: "إن سبب المذبحة هو أن الإخوان المسلمين بالأردن وقفوا ضد جمال عبد الناصر؛ بأن أفسدوا انقلابًا دبره ضد الملك حسين، فانتقم جمال عبد الناصر من إخوان الأردن بضربكم هنا في مصر".
وكانت النتيجة النهائية للمذبحة كالتالي: 21 شهيدًا.. 23 جريحًا.. 6 فقدوا عقولهم وأرسلوا لأسر الشهداء لاستلام جثثهم بشرط ألا يعلم عن موتهم أحد، وألا تقام لهم جنائز، ويتم دفنهم ليلاً بحضور أحد الأقارب، وبقيت مقابرهم تحت الحراسة مدة لا يقترب منها أحد.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق