الشهيد سيد قطب (6)



إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس تطوعا ولا نافلة ولا موضع اختيار إنما هو الإيمان أو فلا إيمان (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فالأمر إذن جدّ . انه أمر العقيدة من أساسها. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها.
إن هذه البشرية وهي من صنع الله لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتح من صنع الله ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يديه سبحانه وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق وشفاء كل دواء. (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) . ( إن هذا القرآن ليهدي للتي هي أقوم).
ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه ولا تسلك في أمر نفسها وفي أمر إنسانيتها وفي أمر سعادتها أو شقائها ما تعودت أن تسلكه من أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة.
وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع هذا الجهاز ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه فترده إلى المصنع الذي منه خرج ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب. الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه و أنشأه (انه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)
اصل الشقوة العامة
ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة البشرية المسكينة البشرية التي لن تجد الرشد ولن تجد الهدى ولن تجد الراحة ولن تجد السعادة إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير كما ترد الزهيد إلى صانعه الصغير.
ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها ونكبة قاصمة في حياتها . نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألمّ بها من نكبات. لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض فأسنت الحياة وتعفّنت القيادات وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)
تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن وبالشريعة المستمدة من هذا التصور. فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان اعظم ف حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته .
لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا.كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور قبل أن ينشأه لها القرآن إنشاء .. نعم..
لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال والعظمة والارتفاع والبساطة واليسر والواقعية والإيجابية والتوازن والتناسق .. بحيث لا يخطر للبشرية على بال . لولا أن الله أراده لها وحققه في حياتها في ظلال القرآن ومنهج القرآن وشريعة القرآن.
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة ونحيّ الإسلام عن القيادة . نحيّ عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى في صورة من صورها الكثيرة . صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان.
عصابة المضللّين
إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ثم يقولون لها اختاري.. اختاري إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله وهذا اخداع لئيم خبيث فوضع المسألة ليس هكذا أبدا.
إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني إنما هو مشرّع لهذا الإبداع وموجّه له الوجهة الصحيحة ذلك لكي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض هذا المقام الذي منحه الله له وأقدره عليه ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه وسخر له من القوانين الكنية ما يعينه على تحقيقه ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام والتقيد بشرطه في عقد الخلافة
وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله فأما أولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى فهم سيّئو النية شرّيرون يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح و أن تؤوب من المتاهة المهلكة و أن تطمئن إلى كنف الله.
وهناك آخرون لا ينقصهم حسن النية ولكن ينقصهم الوعي الشامل والإدراك العميق هؤلاء يبهرهم ما كشفه الإنسان من القوى والقوانين الطبيعية وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة فيفصل ذلك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا وللقيم الإيمانية مجالا آخر ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غير متأثرة بالقيم الإيمانية وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا ابتغوا منهج الله أم خالفوا عنه حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس.
هذا وهم .. انه فصل بين نوعين من السنن الإلهية هما في حقيقتهما غير منفصلين فهذه القيم الإيمانية هي بعض سنن الله في الكون كالقوانين الطبيعية سواء بسواء ونتائجها مرتبطة ومتداخلة ولا مبررّ للفصل بينهما في حسّ المؤمن وفي تصوره.
التصور الصحيح


الأستاذ سيد قطب في قفص الإتهام
وهذا هو التصور الصحيح الذي ينشئه القرآن في النفس حين تعيش في ظلال القرآن ينشئه وهو يتحدث عن أهل الكتب السابقة وانحرافهم عنها واثر هذا الانحراف في نهاية المطاف.
(ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنّات النعيم ولو انهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) وينشئه وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه ( فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا) وينشئه وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
إن الإيمان بالله وعبادته على استقامة وإقرار شريعته في الأرض كلها إنفاذ لسنن الله وهي سنن إيجابية نابعة من ذات المنبع الذي تنبثق منه سائر السنن الكونية التي نرى آثارها الواقعية بالحسّ والاختبار. في غياب هذا التصور
... لقد تأخذنا في بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الكونية حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية. هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق ولكنها تظهر حتما في نهايته وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه .
لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية في حياته مع القيم الإيمانية وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقهما . وظل يهبط ويهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا.
وفي الطريق الآخر تقف الحضارة المادية اليوم كالطائر الذي يرف بجناح واحد جبار بينما جناحه الآخر مهيض فيرتقي في الإبداع المادي بقدر ما يرتكس في المعنى الإنساني ويعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية ما يصرخ منه العقلاء هناك. لولا انهم لا يهتدون إلى منهج الله وهو وحده العلاج والدواء.
الشريعة والإنسان وبناء المجتمع
إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون فإنقاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثره الإيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون .
والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير اصلها الكبير فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الكبير وللوجود الإنساني
ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير ونظافة في الشعور وضخامة في الاهتمامات ورفعة في الخلق واستقامة في السلوك وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه القوانين الطبيعية وما نسميه القيم الإيمانية فكلها أطراف من سنة الله الشاملة لهذا الوجود. والإنسان كذلك قوة من قوى الوجود وعمله وإرادته وإيمانه وصلاحه ونشاطه .
هي كذلك قوى ذات آثار إيجابية في هذا الوجود . وهي مرتبطة بسنة الله الشاملة لهذا الوجود و كلها تعمل متناسقة وتعطي ثمارها كاملة حين تتجمع وتتناسق بينما تفسد آثارها وتضطرب وتفسد الحياة معها وتتشتت الشقوة بين الناس والتعاسة حين تفترق وتتصادم .
(ذلك بأن الله لم يك مغيّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فالارتباط قائم وثيق بين عمل الإنسان وشعوره وبين مجريات الأحداث في نطاق السنة الإلهية الشاملة للجميع ولا يوحي تمزيق هذا الارتباط ولا يدعو إلى الإخلال بهذا التناسق ولا يحول بين الناس وسنة الله الجارية إلا عدو للبشرية يطاردها دون هدى وينبغي لها أن تطارده وتقصيه من طريقها إلى ربها الكريم

عندما سمع المفكّر الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي نبأ إعدامه بكى وقال: إن هذه الشهادة ليست شهادة الأفراد، وإنها ليست هدراً للدماء، وعبثاً بالحقوق البشريّة والكرامة الإنسانيّة فحسب، وإنها ليست همجيّة وعداءاً سافراً للإسلام فحسب، بل إنها خسارة فادحة للدعوة الإسلاميّة والعلم والأدب، والدراسة والبحث والنقد، ومأساة علميّة ضخمة.
وقال: إن سيد من أولئك الأفذاذ الذين يسعد بهم العالم الإسلامي، وهو من الطراز الأوّل، من صفوة الدعاة ورجال الفكر والأدب الذين تحظى بهم الأمم. وقال الزعيم المغربي علال الفاسي: إن قضيّة سيّد قطب هي قضية داعية مسلم تتشح الرؤية وتستقيم أمام ناظريه، ويعرف السبيل إلى قلوب الناس بعد أن ثبت نور الإيمان في قلبه، واستقامت معالم الفهم في ذهنه، واستحال الإيمان والفهم والتطبيق في دنيا الواقع، وسطر الكلمة لتشق سبيلها ممهّداً إلى مجالها في القلوب والأذهان والنفوس.
ورثاه قائلا:

اترك الحزن والألــم
واحبس الدمع كالنعم
استوى الخطب عندنـا
وسوى الخطب إذ ألم
أي أمر يروعنــــا
بـعد سيل من الأزم

وتحدّث الشيخ محمد الفاضل بن عاشور لأحد محرّري (تونس أفريقيا للأنباء) فقال:
إنّ تنفيذ الحكم بالإعدام على سيّد قطب يعتبره الموقنون بحقيقة جهاده الإسلامي تتويجاً لحياته الماجدة، لأن الشهادة في سبيل الله هي أقصى ما يتطلّع إليه أصحاب النفوس الإسلاميذة المؤمنة المطمئّنة، ولذلك فإن موت سيّد قطب أفرحنا وأحزننا: أفرحنا بما رزقه الله من مقام الشهادة، ونرجو الله أن يجزيه أجر العاملين المستشهدين في سبيله، وأحزننا للفراغ العظيم الذي يتركه في محيط الفكر الإسلامي.
وقال الدكتور عبد الصبور شاهين في مقدمة كتاب (عبقري الإسلام سيّد قطب) تمنيت أن يعيش العبقري سيّد قطب ظروف الحرية والتكريم، وأن تجد الدعوة طريقها إلى بناء المجتمع الصالح، وإنشاء الدولة الإسلاميّة دون هذا البحر من الدماء الذي يراق على أيدي من يدّعون الإسلام زوراً وبهتاناً.
وقال: إنّ ما واجهه سيّد من اضطهاد حاقد مجنون، لم يثنه عن تقديم ما قدّمه من بيان وتأصيل وتنظير إلى الأمة.
فقد كان رجلا سامي القيمة متعدّد نواحي العظمة، فهو زيادة على كونه مجاهداً كاملاً في قضيّة الإسلام، كان إلى جانب ذلك شاعراً، وكاتباً خيالياً، وقصصياً، وناقداً أدبياً، وحكيماً إسلامياً وباحثاً في الثقافة والاجتماع، ودارساً قرآنياً.

كتبت في سيرته عشرات الكتب والدراسات منها:
رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيّد قطب ، ليوسف العظم
عبقري الإسلام سيّد قطب ، لسيد بشير أحمد كشميري
سيد قطب الأديب الناقد ، لعبد الله الخبّاص
سيّد قطب الشهيد الحي ، لصلاح الخالدي
نظريّة التصوير الفني عند سيّد قطب ، لصلاح الخالدي
سيّد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد ، لصلاح الخالدي
أمريكا من الداخل بمنظار سيّد قطب ، لصلاح خالدي أيضاً
سيّد قطب بين العاطفة والموضوعية ، لسالم البهنساوي
سيّد قطب أو ثورة الفكر الإسلامي ، لمحمد علي قطب
مع سيّد قطب في فكره السياسي والديني ، لمهدي فضل الله
سيد قطب من القرية إلى المشنقة ، لعادل حموده
سيد قطب: الخطاب والأيديولجيا ، لمحمد حافظ دياب
سيّد قطب والأصوليّة الإسلاميّة ، لشريف يونس
سيّد قطب حياته وأدبه ، لعبد الباقي محمد حسن
سيد قطب ومنهجه في التفسير ، لإسماعيل الحاج أمين
التيار الإسلامي في أدب سيّد قطب ، لحسيني علي رضوان
المنهج الفني في النقد عند سيذد قطب ، لمحمد أديب عبد الرحمن
سيد قطب ، لأحمد البدوي
فلسطين في فكر سيّد قطب وأدبه ، لأحمد الجدع
أعراس الشهادة وهي مسرحيّة شعرية كتبها محمد المنتصر الرسيوني في محنة الشهيد سيد قطب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق