طرق التواصل مع الأهل وكتابة الرسائل




طرق التواصل مع الأهل وكتابة الرسائل

كانت طريقة تواصلنا مع أسرنا لاسيما فترة غلق الزيارة عن طريق الرسائل، والتي مرت أدوات الكتابة الخاصة بها بمراحل مختلفة، فلم تكن الأوراق والأقلام متوفرة لنا في البداية فكنا نلجأ لبدائل أخرى، فبعض الرسائل كنا نكتبها على مناديل الورق والبعض الآخر على قطعة من قماش ملابسنا البيضاء، أو نقوم باقتطاع الهوامش البيضاء للمصاحف ونكتب عليها.
ولازلت أملك بعض هذه الرسائل بأشكالها المتنوعة وكنا نقوم حين تتوفر اوراق للكتابة عليها بالكتابة بخط صغير للغاية حيث تأخذ الكلمة مساحة ربع الكلمة العادية، ونقوم بحشر الكلمات بعضها إلى بعض إلى جانب خط سطر بين كل سطرين في الورقة حتى تستوعب الورقة الصغيرة أكبر كمية ممكنة من الكلمات توفيراً للورق من جهة وتيسيراً لخروج الرسالة في التأمين مع الأخ من جهة اخرى.
ولازالت رسائلى إلى زوجتي غالبها موجود معي الآن أحتاج حين أريد إعادة قراءتها إلى عدسة مكبرة ولو حاولت الآن إعادة كتابة الرسالة على نفس الهيئة ما استطعت وكنا نستخدم بقايا الأقلام الرصاصية أو أنبوبة قلم يتم تهريبها، كما كنا نكتب بأنابيب مراهم البنزانيل الخاصة بعلاج الجرب، حيث كنا نفرغ المرهم من الأنبوبة ونقوم بحك الأنبوبة من جانبها على سطح خشن لفردها ثم نقوم ببرمها على هيئة قلم وإزالة الطبقة الخارجية لسن هذا القلم حتى تظهر المادة الرصاصية التي مصنوع منها أنبوبة المرهم، والتي كان يمكن الكتابة بها على الورق أو الحوائط.
وفي منتصف التسعينيات وأواخرها كان الأخوة في المعتقلات يقومون باستخدام قلم البنزانيل في كتابة القرآن والمتون العلمية على الحوائط حتى يتمكن البقية من حفظها وتعلمها، وكان الأخوة أيضاً يستخدمون حبراً مصنوعاً من الكركدية والشاي الثقيل والزهرة الزرقاء.
ويستخدمون عظام الدجاج البلدي كأقلام أو يكتبون بالمادة السوداء لأساتك الملابس الداخلية بعد إزالة طبقة القماش البيضاء من عليها، ثم الكتابة بها بفركها على الحائط.

من مدونة منيب

(كيف يتصل المعتقل السياسي بأسرته ؟! كيف يراهم ويرونه كيف يوصل لهم معلومات عن نفسه؟؟ وكيف تصله معلومات عن اهله؟!
في الواقع أن هذا اختلف بإختلاف الاحوال عبر سنين طويلة . وكان الاتصال الطبيعى دائما هو السماح لأسرته بزياره المعتقل نفسه في داخل السجن وكذا السماح لمحاميه بأن يزوره بنفس الطريقة وكان هذا الاتصال الطبيعى مختلفا بإختلاف الاحوال السياسية والامنيه فتراوح ما بين السماح لأسرته بلقاءه على أنفراد حتى درجة إختلاء الزوج بزوجته منفردا أمنا من أن يطلع أى أحد على ما يجرى بينهما مما نتج عنه إنجاب أطفال ووصل أيضا إلى المنع التام من الزيارة وبين هذا وذاك كانت هناك درجات مختلفة من الزيارة مثل الالتقاء بالأهل وبينه وبينهم حاجز واحد من السلك ومثل الالتقاء بالأهل وبينه وبينهم حاجزان من السلك بالاضافه في كل هذا لرقابة لصيقه من الشرطة النظامية والشرطة السرية والشرطة النسائية وغير ذلك . كما كانت هناك صورة من الزيارة تتم عبر الالتقاء المباشر فى مكتب أو غرفة تحت رقابه لصيقة وقوية لأعين وأذان كل أنواع الشرطة المذكورة أنفا . وكان لكل نوع من هذه الانواع من الزيارات مميزاته وعيوبه
فقد استمرت الخلوة الشرعية ممنوعة 12 عاما في المعتقلات السياسية بشكل متصل من 1993م وحتى 2004م مع بعض الإستثناءات الخاصة ببعض السجون ومع ذلك فنسبة الطلاق كانت ضئيلة جدا هذا من ناحية, و من ناحية أخرى فإن هذه النسبة الضئيلة من الطلاق يصعب القول بأن هذا المتغير كان هو سببها الوحيد في حين توجد متغيرات أخرى أشد تأثيرا مثل طول فترة الإعتقال الغير معروف تاريخ نهايته, و مثل إنعدام مصادر الإنفاق على الأسرة, ومثل الضغوط الخارجية على الزوجة منضغوط في قبل الواقع الإجتماعى والسياسى المحيط بها و الذى طالبها صراحة بالطلاق في حالات كثيرة, وكانت هذه المطالبة مصحوبة بضغوط في حالات كثيرة,
ناهيك عن حالات الوفاة و المرض التى تسارعت لا سيما مع طول المدة لتحصد الأباء والأمهات والأشقاء والشقيقات والزوجات و أحيانا الأولاد.وانطلاقا من هذه المقدمات يمكن للقارئ أن يدرك أن لمنع الزيارة مطلقا مميزات كثيرة تتمثل في أن المعتقل لا يعرف تفاصيل المشكلات التى تواجه أسرته ولا حجم الألام التى يتجرعونها من جراء غيابه في جب الإعتقال غير المحدود النهاية, ونفس الميزة حصلنا عليها من الزيارة عبر حاجزين من السلك وصفوف من الشرطة بأنوعها المختلفة, ذلك لأن الزيارة كانت تتم لعدد كبير جدا من المعتقلين ما بين عشرين إلى أربعين معتقلا في وقت واحد, و كان يزور كل واحد منهم ثلاثة كمتوسط عام, فإذا حسبنا العدد صار عدد الواقفين عل السلك يتكلمون في آن واحد من 40 إلى 160 إنسان وكلهم يتكلمون فى آن واحد لأنهم يرغبون في الإسراع في توصيل كلامهم إلى بعضهم البعض في زيارة كان وقتها المسموح به يتراوح بين دقيقتين وعشر دقائق, وبالتالى فهي زيارة إسما على غير مسمى, إذ لا يسمع أحد أحدا على الإطلاق, وقد كان المعتقلون يعملون فقرات تمثيلية في الزنازين تهكما على هذه الزيارة وفي إطار التسلى والسمر معا في غفلة من السجان,
و كانت هذه المستشفى مأوى لكثير من المرضى السياسيين الإسلاميين من جميع سجون مصر, و كانوا يردون إليها فيقضون فيها وقتا يتراوح بين أسابيع وشهور ثم يعودون لسجونهم, فكان المعتقلون السياسيون الإسلاميون يحصلون على ميزة الزيارة هذه بمجرد قدومهم لهذه المستشفى, وكانوا يلتقون بأسرهم لأول مرة منذ سنوات بلا حواجز و أنا شخصيا رأيت إبنى الوحيد حينئذ بعد ولادته بأكثر من خمس سنوات في هذه المستشفى أواخر عام 1998م لأنه كان ولد بعد إعتقالى بستة شهور وحال منع الزيارة تارات ثم زيارات السلك تارات أخرى من أن أراه. وكانوا يمكنهم في هذه الزيارة أن يستمعوا لبعضهم البعض بوضوح لمدة ساعة كاملة و يطلعون بوضوح على كل مشكلات أسرهم التى يعانونها خارج السجن طوال السنوات السابقة لهذه الزيارة والتى كان يصل طولها لست سنوات في معظم )

(كيف يتصل المعتقل بخارج السجن وكيف يطلع على العالم ما خارج السجن؟!
ذكرنا من قبل أن الزيارة أحد أهم وأبرز وسائل اتصال المعتقل بخارج السجن لكن هناك وسائل أخرى للاتصال أقل شأنا ولكنها مهمة بقدر كبير وأحيانا تصبح أهم من الزيارة لسبب أو لأخر.
وعلى سبيل المثال عندما جرى نقلى من سجن الفيوم 9/2002 الى سجن ابى زعبل الجديد كان أحد المخبرين له علاقة حسنة بالعديد من المعتقلين فكلمته ان يتصل بأبى رحمة الله ليعرف أسرتى اننى جرى نقلى إلى السجن أبى زعبل لئلا يأتوا لزيارتى بسجن الفيوم ولا يجونى وفعلا قام المخبر بالاتصال وأنا موجود على بوابة السجن تمهيدا لنقلي وتأكدت بعد ذلك من أسرتى ولم يتقاض هذا المخبر أى مبلغ مالى على هذه الخدمة الخطرة التى لو إنكشف أمرها لتم تنزيل رتبة المخبر إلى الادنى .
وأحيانا كنا نتصل بأسرنا بإلقاء ورقة مكتوبة فيها الرسالة التى نريد توصيلها وبجانبها رقم التليفون ونقوم بإلقاء هذه الورقة من شباك سيارة الترحيلات أمام احد المارة وكان عادة ما يتصل وقد فعلتها أنا كثيرا وأعتاد كل المعتقلين على ممارسة هذا السلوك عند الحاجة فكلما تم نقل احد المعتقلين أو حتى مجموعة معتقلين ألقوا بمثل هذه الرسائل ما لم تتسن طريقة أخرى
للاتصال بعائلتهم وبعدما لاحظ المعتقلون إرتفاع اسعار الاتصالات من خلال المعلومات التى تصلهم من عائلاتهم فإن كثيرا من المعتقلين أعتادوا منذئذ على وضع مبلغ مالى صغير عبارة عن جنيه أو جنيهين داخل الرسالة الملقاه من شباك سيارة الترحيلات كى تكون تمنا للاتصال ويوجد أسلوب أخر للاتصال حيث يرسل المعتقل رسالة إما شفهيه او مكتوبه مع أسرة معتقل أخر يتلقونها أثناء الزيارة ثم يوصلونها إما بالتليفون وهذا هو الاكثر وإما بالمقابلة الشخصية المباشرة وذلك في حالة ما إذا كانت العائلتان على صلة ببعضهم
وكانت الاتصالات عبر أسر بعضنا البعض تزيد فرصنا في الاتصال بأهلنا فبدل أن أعرف أخبارهم ويعرفوا أخبارى في موعد زيارتى فقط تتواصل العلاقة والاخبار في مواعيد زيارات الاخرين .
ولم يكن ذلك صعبا لأن عائلات المعتقلين عادة ما تتوثق علاقاتهم ببعضهم البعض نتيجة أشتراكهم في معاناه واحده معاناه أعتقال أقاربهم ومعاناة القيام بزيارتهم أيضا وقد أوضحنا أنواع هذه المعاناة في المقال السابق بالتفصيل وقد أدى توثق العلاقات بين اهالى المعتقلين إلى نشوء شبكة قوية نسبيا من الاتصالات سواء شفهيا أو بكتابة الرسائل فأنا مثلا علمت بوفاة والدى رحمة الله عبر رسالة شفهية وصلتنى من زوجتى بعد موته بيومين بينما لم يكن مقررا لى زيارة إلا بعد موته بأسبوع .
وبينما كانت علاقات عائلات المعتقلين تيسر عملية الاتصالات فإن هناك علاقات نشأت أصلا بغرض تيسير الاتصال ثم تواصلت هذه العلاقات بعد ذلك وتطورت إلى علاقات وثيقه وطيبه جدا .

كما أننا تمكنا عن طريق هؤلاء المعارف من توفير قدر من المال الذى ندفعه كأجر للسيارة التى تنقل أسرتى من البيت للسجن ذهابا وعودة حيث كانت الأسر الأربع يشتركن في سيارة واحدة أحيانا ومن ثم يشتركن في دفع الأجرة ولكن هذا لم يكن دائما معى. لكن كانت في حالات أخرى مع أسر معتقلين أخرين مسألة وسيلة الانتقال للسجن و العودة منه أمر حتمى وثابت أن يكون بالاشتراك فى أجرة السيارة للتوفير ولأنه أكثر راحة من ركوب المواصلات العادية العامة.
في حالات أخرى كانت الزيارة ممنوعه والاتصال بالأهل أو المحامى ممنوع واستمر ذلك لسنوات طويلة فما كان لحل؟ ! لقد كان الحل باستقطاب بعض أمناء الشرطة أو حراس السجن أو الجنود أو الموظفين أو الممرضين بمستشفى السجن وكان هذا الاستقطاب يبدأ فكريا بمحاولة استمالة الهدف وكسب تعاطفه مع ظروفنا ثم يتطور لإقناعه بأنه لو ساعدنا في توصيل رسائل شفهيه بالتليفون أو كتابية باليد لعائلاتنا فإنه سيكون له أجر وثواب كبير عند الله وأننا سندفع له تكاليف مثل هذا الاتصال وزيادة، والآن وبعد إتمام الألاف من مثل هذه الاتصالات عبر مئات من الحراس أو الجنود أو غيرهم لا يجدى كثيرا تحديد ما إذا كان هذا تم بناء على قناعة فكرية بوجوب القيام بمثل هذا العمل الانسانى أم بناء على رغبة في تحقيق

مكسب مادى أو بمزيج من الاثنين لكن على كل حال يمكننى الآن الجزم بأن كل هذه الدوافع كانت حاضرة وأختلفت درجات كل منها من شخص لأخر ورغم أننى لم أنغمس بشكل واسع في مثل هذه العمليات وإنما نفذت بعضا منها لحسابى الخاص فقط لأننى على معرفة شبة كاملة بعمليات واسعة تم تنفيذها لحساب مئات المعتقلين خاصة ما جرى في سجن الوادى الجديد في الفترة من 1998 وحتى نهاية 1999 وكان ثمن الرسالة المكتوبه وقتها سبعين جنيها مقابل ذهاب الرسالة باليد للبيت والعودة برد مكتوب عليها بخط معروف للمعتقل ومسموح بأن يصحب الرد مبالغ مالية وذلك وفقا للآتفاق الذى صار مشهورا وثابتا وكان كل شخص من الاشخاص الذين يخرجون بالرسائل يخرج في كل نوباتجيه بأكثر من مائة رسالة مكتوبه ثم يعود فى النوباتجية الاخرى بالرد وما معه من مال .
وفى أحدى المرات عاد ممرض بالردود وكانت أكثر من مائة ودخل المستشفى فنام فلم يستيقظ إلا بعد غلق العنابر فتركها في ملابسه وفى اليوم التالى عندما أنهى النوباتجية نسى وخرج بها مرة أخرى من السجن دون أن يحتاط من التفتيش الروتينى الذى يتعرض له كل داخل أو خارج من السجن ما دام من رتبه دون الضابط وبالفعل تم ضبط الرسائل وجرى التحقيق معه بالطريقة التى يعرفها الجميع فجر الخيط وظلت التحقيقات تجر الخيط من حلقة لأخرى حتى أنكشفت شبكة ضخمة نسبيا تضم معتقلين من جهه وتضم من جهه أخرى ممرضين وموظفين وحراس وجنود وأمناء شرطة كانوا جميعا متعاونين في توصيل الرسائل وتلقى ردودها بين جميع معتقلى السجن وعائلاتهم وقد تم عمل تحقيق رسمى وقضية لعدد من الممرضين والموظفين وجاء الممرضون ليقضوا أعتقالهم في عنبر مجاور لمستشفى سجن ليمان طره التى كنت مقيما فيها وقتها وسمعتهم وسمعت ما جرى لهم)

إقرأ أيضا : الطبيب المعتقل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق